لم تعد الخرافات الفكرية في عصرنا بحاجة إلى أن تدخل البيوت من أبواب الشعوذة الصريحة، أو أن تعلن عن نفسها بوصفها معتقدات غريبة تناقض الأديان؛ فقد تعلمت بعض الأفكار الوافدة كيف ترتدي ثيابًا أكثر أناقة، وتستعير مفردات العلم والطاقة والتنمية الذاتية والصحة النفسية، لتجد طريقها إلى عقول الباحثين عن الطمأنينة والتوازن والسلام الداخلي. ومن بين هذه الأفكار التي اتسعت دوائر الترويج لها في السنوات الأخيرة نظرية «الشاكرات السبع»، التي تقدم نفسها باعتبارها تفسيرًا لأسرار الجسد والنفس والروح، بينما تنتمي في جذورها إلى منظومة فلسفية ودينية شرقية ذات تصورات خاصة عن الإنسان والكون والوجود.
والخطورة في هذه النظرية لا تكمن فقط في الادعاءات التي تطرحها بشأن وجود مراكز خفية للطاقة داخل جسم الإنسان، أو في وصفات فتحها وتنشيطها وموازنتها، وإنما تمتد إلى ما تحمله بعض تطبيقاتها ومضامينها من تصورات ميتافيزيقية تتجاوز حدود الممارسة الصحية إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالكون وبالخالق سبحانه وتعالى. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين ما يمكن قبوله من وسائل الاسترخاء والتأمل وتمارين التنفس باعتبارها ممارسات بشرية لها آثار نفسية أو جسدية محتملة، وبين تحويل هذه الممارسات إلى عقائد وفلسفات تتضمن تصورات تخالف أصول التوحيد.
الشاكرات السبع.. جذور شرقية تتخفى وراء مصطلحات الطاقة
كلمة «شاكرا» (Chakra) كلمة ذات أصل سنسكريتي، تعني الدائرة أو العجلة، وقد ارتبطت في بعض التقاليد الهندوسية والبوذية وغيرها من المذاهب الروحية الشرقية بتصورات عن مراكز للطاقة الدقيقة داخل جسم الإنسان. وتقوم النظرية الشائعة للشاكرات على افتراض وجود سبعة مراكز رئيسية تمتد على طول العمود الفقري حتى قمة الرأس، يرتبط كل مركز منها بمجموعة من الوظائف الجسدية والنفسية والروحية، فضلًا عن ألوان ورموز وأصوات وموضوعات معنوية مخصوصة.
وتبدأ هذه المراكز، وفق التصنيف الأكثر انتشارًا، بشاكرا الجذر عند قاعدة العمود الفقري، التي يربطونها بالأمان والاستقرار والانتماء إلى الأرض، ثم شاكرا العجز التي ينسبون إليها العواطف والرغبات والمتعة، تليها شاكرا الضفيرة الشمسية التي يربطونها بالإرادة والثقة والسيطرة على الذات، ثم شاكرا القلب التي يجعلونها مركزًا للحب والتسامح والعلاقات الإنسانية.
أما الشاكرا الخامسة، المعروفة بشاكرا الحلق، فيربطونها بالتعبير والتواصل والقدرة على الإفصاح عن المشاعر، وتأتي بعدها شاكرا العين الثالثة، التي يزعمون أنها مركز الحدس والبصيرة والإدراك الباطني، وصولًا إلى شاكرا التاج الموجودة عند قمة الرأس، والتي يمنحونها دلالات تتصل بالوعي الكوني والاتصال بالمطلق أو بلوغ مراتب عليا من الإدراك الروحي.
ولا تقف النظرية عند حدود الوصف الرمزي لهذه المراكز، بل تتجاوز ذلك إلى الحديث عن تدفق طاقة خفية بينها، وعن إمكان انسدادها أو اختلال توازنها، وما يترتب على ذلك، بحسب زعم أصحابها، من اضطرابات نفسية وجسدية وروحية. ومن هنا ظهرت ممارسات متعددة تحمل أسماء مثل فتح الشاكرات وتنظيفها وتنشيطها وتحقيق التوازن بينها، باستخدام التأمل والتصور الذهني والأحجار والألوان والذبذبات الصوتية وبعض الطقوس والتمارين.
وقد انتقلت هذه التصورات من بيئاتها الفلسفية والدينية الأصلية إلى الثقافة الغربية الحديثة، ثم وجدت طريقها إلى العالم العربي عبر دورات التنمية البشرية، وبعض منصات التواصل الاجتماعي، ومراكز العلاج البديل، وورش اليوجا والتأمل، حتى أصبحت تقدم أحيانًا بوصفها حقائق علمية مكتشفة، أو وسائل علاجية مثبتة، أو مفاتيح لفهم أسرار النفس البشرية.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن شيوع فكرة ما، أو تكرار الحديث عنها في الكتب والدورات ومقاطع الفيديو، لا يمنحها صفة الحقيقة العلمية. فالعلم التجريبي لا يعرف في التشريح والطب الحديث أعضاء أو مراكز طاقة سبعة بهذه الأوصاف، كما لا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت وجود منظومة طاقة خفية يمكن قياسها على النحو الذي تزعمه أدبيات الشاكرات، أو تثبت أن اختلال هذه المراكز هو سبب الأمراض الجسدية والنفسية.
ومن المهم كذلك ألا نخلط بين وجود الجهاز العصبي والغدد الصماء والأعضاء الجسدية المعروفة، وبين إسقاط منظومة الشاكرات عليها؛ فبعض المروجين يحاولون إضفاء مسحة علمية على النظرية من خلال ربط كل شاكرا بغدة أو عضو أو مجموعة أعصاب، لكن التشابه المكاني أو الرمزي لا يثبت وجود علاقة سببية، ولا يحول التصور الفلسفي إلى حقيقة طبية.
من الطاقة الكونية إلى الخلل العقدي.. أين تكمن المخالفة؟
إن النظر الإسلامي إلى مسألة الشاكرات لا ينبغي أن ينحصر في مناقشة وجودها المادي من عدمه، وإنما يتطلب التعمق في الخلفيات الفلسفية والعقدية التي تستند إليها بعض تصوراتها وتطبيقاتها، فالإسلام لا يعترض على كل حديث عن الطاقة بالمعنى الفيزيائي المعروف، ولا ينكر أن للإنسان طاقة جسدية ونفسية، وأن الاسترخاء والتنفس المنتظم والرياضة قد تسهم في تحسين حالته العامة، لكنه يرفض أن تتحول هذه المعاني إلى اعتقاد في قوى غيبية مستقلة، أو منظومة كونية تحكم مصير الإنسان وتؤثر في حياته بمعزل عن سنن الله وقدره.
والإشكال العقدي الأول يظهر في تصور بعض المذاهب التي ارتبطت بالشاكرات لطبيعة الكون والإنسان، حيث تتداخل فيها مفاهيم الطاقة الكونية والوعي المطلق والاتحاد الروحي، وقد تصل بعض التأويلات إلى تصور الوجود الإلهي بوصفه طاقة سارية في الموجودات، أو إلى جعل الإنسان قادرًا على بلوغ حالة من الاتحاد بالمطلق من خلال تنشيط مراكزه الروحية.
وهذا التصور يصطدم بأصل عظيم من أصول العقيدة الإسلامية، وهو تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة خلقه، وإثبات مباينته لمخلوقاته، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، لا يحل في شيء من خلقه، ولا يتحد به، ولا تكون ذاته الإلهية طاقة كونية مبثوثة في الموجودات. قال تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»
فالله سبحانه وتعالى ليس قوة مادية أو طاقة طبيعية يمكن للإنسان استدعاؤها أو التحكم في تدفقها، وليست العلاقة به علاقة تقنية تقوم على أداء تمارين معينة أو ترديد أصوات مخصوصة أو تخيل ألوان ومراكز داخل الجسد، وإنما هي علاقة عبودية وإيمان ودعاء وتوكل وإنابة، تقوم على معرفة الله بأسمائه وصفاته، والإقرار بوحدانيته وربوبيته وألوهيته.
وتظهر مخالفة أخرى عندما تتحول الشاكرات إلى وسيلة للحديث عن قوى غيبية مؤثرة في حياة الإنسان، أو عن مراكز تتحكم في الرزق والحظ والعلاقات العاطفية والنجاح والمستقبل. فالإسلام يقرر أن الغيب من اختصاص الله تعالى، وأن الأسباب لا تعمل استقلالًا عن مشيئته، وأن الإنسان لا يملك مفاتيح القدر من خلال طقوس أو تمارين أو ذبذبات أو أوضاع جسدية.
قال تعالى: «قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ»، ومن ثم فإن الاعتقاد بأن فتح شاكرا معينة يستطيع أن يجلب الرزق، أو يضمن الحب، أو يكشف المستقبل، أو يمنح الإنسان قدرة خارقة على معرفة ما تخفيه النفوس، يتجاوز حدود الاعتقاد في الأسباب المشروعة إلى ادعاءات غيبية لا تقوم على برهان شرعي ولا دليل علمي.
كما أن بعض التطبيقات المرتبطة بالشاكرات تستدعي مفاهيم مثل الكارما والتناسخ وتحرير الإنسان من دورة الولادة والموت، وهي تصورات تنتمي إلى منظومات دينية وفلسفية شرقية، ولا تتفق مع أصول الإيمان الإسلامي بالبعث والحساب والجزاء والآخرة. فالإسلام يقرر أن حياة الإنسان الدنيوية مرحلة واحدة يعقبها الموت والبرزخ، ثم البعث والحشر والحساب، ولا يقرر عودة الروح إلى أجساد أخرى في دورات متتابعة من الحياة والموت.
ومن المخالفات التي تستحق التنبيه أيضًا تحويل بعض الممارسات إلى طقوس تعبدية ذات دلالات دينية، أو الاعتقاد في تأثيرات غيبية لأحجار وألوان وأصوات ورموز مخصوصة، أو نسبة قوى مستقلة إليها. فالمسلم لا يعتقد أن حجرًا أو لونًا أو ذبذبة يمتلك بذاته قدرة على جلب النفع أو دفع الضر، ولا يعلق قلبه بأسباب لم يجعل الله لها تأثيرًا ثابتًا بدليل معتبر.
ومع ذلك، فمن الضروري التفريق بين الحكم على الفكرة في ذاتها، والحكم على الشخص الذي يمارس شيئًا منها. فليس كل من مارس تمرينًا للتنفس أو جلس في وضعية استرخاء قد اعتنق فلسفة الشاكرات، كما لا يصح التسرع في تكفير الأشخاص لمجرد تعرضهم لهذه الممارسات أو جهلهم بخلفياتها. فالأحكام العقدية تتطلب معرفة حقيقة القول، وما يقصده صاحبه، ومدى علمه واختياره، وتوافر الشروط وانتفاء الموانع، وهذه أمور مردها إلى أهل العلم الراسخين، لا إلى الأحكام المتعجلة على منصات التواصل.
طمأنينة القلب لا تحتاج إلى طقوس مستوردة
من الأخطاء التي ساعدت على انتشار فلسفة الشاكرات في بعض المجتمعات العربية تصويرها وكأنها تقدم للإنسان ما عجزت الأديان عن تقديمه من سكينة وراحة نفسية واتزان داخلي، وكأن الوصول إلى السلام الروحي لا يتحقق إلا عبر اكتشاف مراكز الطاقة الخفية أو ممارسة طقوس مستمدة من فلسفات شرقية.
وهذا التصوير يتجاهل أن الإسلام يمتلك تصورًا متكاملًا عن الإنسان، يجمع بين الجسد والعقل والروح، ويقدم له منهجًا متوازنًا في التعامل مع مشاعره ومخاوفه وآلامه وتطلعاته. فالروحانية في الإسلام ليست حالة غامضة من الانفصال عن الواقع، ولا رحلة للاتحاد بطاقة كونية مجهولة، وإنما هي صلة واعية بالله سبحانه وتعالى، تنعكس على السلوك والأخلاق والوجدان، وتمنح الإنسان القدرة على مواجهة تقلبات الحياة دون أن يفقد اتزانه أو يستسلم لليأس.
وقد ربط القرآن الكريم طمأنينة القلب بذكر الله، فقال سبحانه: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، وهذه الطمأنينة ليست مجرد إحساس عابر، وإنما حالة إيمانية تتأسس على اليقين بالله، والثقة بحكمته، والرضا بقضائه، وحسن التوكل عليه، مع الأخذ بالأسباب والعمل والاجتهاد.
وفي مقابل الادعاء بأن الإنسان يستطيع إعادة ضبط حياته من خلال التحكم في مراكز الطاقة، يقدم الإسلام مفهومًا أعمق لتزكية النفس، يقوم على مجاهدة الهوى، ومحاسبة الذات، وتطهير القلب من الحقد والحسد والكبر والرياء، وتنمية الصبر والرحمة والتواضع والصدق. قال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا»
فتزكية النفس في المنظور الإسلامي ليست عملية ميكانيكية لفتح مركز روحي أو تحرير طاقة محبوسة، وإنما مسار أخلاقي وإيماني متكامل، يتطلب العلم والعمل والعبادة والاستقامة، ويظهر أثره في علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.
كذلك فإن الإسلام لا ينكر أهمية التأمل والتفكر في خلق الله، بل يدعو إليهما باعتبارهما طريقًا من طرق زيادة الإيمان وتعميق إدراك عظمة الخالق. وقد أثنى القرآن على أولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»
والفارق هنا جوهري؛ فالتفكر الإسلامي يوجه العقل والقلب إلى معرفة الخالق من خلال آياته ومخلوقاته، بينما قد تتخذ بعض ممارسات التأمل المرتبطة بالشاكرات مسارًا فلسفيًا يجعل الإنسان يبحث عن حقيقة إلهية كامنة في ذاته أو عن اتحاد بالوعي الكوني. الأول يرسخ التوحيد والعبودية، والثاني قد يفضي، بحسب خلفيته ومضمونه، إلى تصورات تتعارض معهما.
ومن المهم أيضًا عدم الخلط بين التأمل باعتباره تمرينًا ذهنيًا أو وسيلة للاسترخاء، وبين التأمل الذي يحمل مضامين تعبدية أو عقدية مستمدة من ديانات أخرى. فالعبرة ليست بالاسم وحده، ولا بمجرد إغماض العينين أو تنظيم التنفس، وإنما بحقيقة الممارسة وما يصاحبها من اعتقادات وطقوس ومقاصد.
كيف نواجه أوهام الشاكرات ونحصّن المجتمع من الفلسفات الوافدة؟
إن مواجهة انتشار هذه الأفكار لا تتحقق بمجرد إطلاق الأحكام أو الاكتفاء بوصفها بالخرافة، وإنما تحتاج إلى خطاب معرفي متوازن، يجمع بين التأصيل الشرعي والوعي العلمي والفهم النفسي والاجتماعي لطبيعة الإنسان المعاصر. فالشخص الذي ينجذب إلى هذه الممارسات قد لا يكون بالضرورة باحثًا عن معتقد بديل، وإنما ربما يكون إنسانًا يعاني القلق أو الضغوط أو الاضطراب النفسي، ويبحث عن وسيلة تمنحه شعورًا بالأمان والسيطرة على حياته.
ومن هنا فإن أولى خطوات المواجهة تتمثل في تفكيك الخطاب التسويقي الذي يحيط بالشاكرات، وكشف الفارق بين المصطلحات العلمية الحقيقية والمفردات التي تستعير لغة العلم دون أن تستند إلى مناهجه. فليس كل ما يحمل اسم الطاقة علمًا، وليس كل ما يتحدث عن الذبذبات والوعي والاتزان حقيقة مثبتة، كما أن استخدام أسماء الغدد والأعضاء العصبية في شرح الشاكرات لا يمنح النظرية مصداقية طبية.
ويجب أن يكون للعلماء والدعاة والمتخصصين في العقيدة دور واضح في بيان الأصول الفكرية والدينية لهذه الفلسفات، دون تهويل أو تعميم، مع شرح ما تتضمنه من تصورات عن الكون والإنسان والروح والغيب، وتوضيح مواضع التعارض بينها وبين التوحيد. فالمعركة الحقيقية ليست مع تمارين الاسترخاء أو الممارسات البدنية النافعة في ذاتها، وإنما مع تحويلها إلى عقائد بديلة، أو تسويقها باعتبارها مفاتيح غيبية للتحكم في المصير.
كما أن للمؤسسات التعليمية والإعلامية دورًا مهمًا في نشر الثقافة النقدية، وتعليم الأجيال كيف تميز بين الادعاء والدليل، وبين التجربة الشخصية والحقيقة العلمية، وبين الممارسة الصحية والتصور الفلسفي. وينبغي ألا تترك هذه المساحات لمروجي الدورات التجارية الذين يقدمون وعودًا كبيرة، مثل علاج الأمراض المزمنة، وجذب الثروة، وتحقيق الحب، واستدعاء الطاقة الإيجابية، دون سند علمي معتبر.
ومن الضروري كذلك حماية الباحثين عن العلاج النفسي من استغلال معاناتهم وتسويق الأوهام لهم. فالاكتئاب واضطرابات القلق والصدمات النفسية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها انسدادًا في شاكرا القلب أو خللًا في مركز الطاقة عند الرأس، كما لا يصح إقناع المرضى بترك العلاج الطبي أو النفسي المعتمد والاعتماد على جلسات فتح الشاكرات وتنظيف الهالة. فالمرض له أسبابه ومساراته التشخيصية والعلاجية، واللجوء إلى الطبيب المختص والأخذ بالوسائل العلاجية المثبتة لا يتعارض مع الإيمان أو التوكل.
وفي هذا السياق، لا بد من إعادة الاعتبار إلى البدائل الإسلامية الأصيلة التي تلبي حاجة الإنسان إلى السكينة والتوازن، من خلال الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن والتدبر في معانيه، إلى جانب بناء العلاقات الاجتماعية السوية، وممارسة الرياضة، وتنظيم النوم، والاستعانة بالمختصين عند الحاجة. فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن يهرب من واقعه إلى عوالم غامضة، وإنما يعلمه كيف يواجه الحياة بقلب مطمئن وعقل واعٍ وإرادة مسؤولة.
ويظل الوعي بالفرق بين الاستفادة من الخبرات الإنسانية النافعة وبين استيراد المعتقدات والفلسفات دون تمحيص من أهم وسائل التحصين الفكري. فليس كل ما يأتي من ثقافة أخرى مرفوضًا لمجرد مصدره، كما أن ليس كل ما يروج له تحت عناوين التطور والروحانية والوعي يستحق القبول. والميزان الذي ينبغي أن يحتكم إليه المسلم هو سلامة الاعتقاد، وصحة الدليل، وثبوت المنفعة، وألا تتحول الوسائل المباحة إلى أبواب لتسلل تصورات تمس جوهر التوحيد.
إن حاجتنا إلى السكينة حقيقية، والبحث عن التوازن النفسي مطلب إنساني مشروع، لكن تحويل هذه الحاجة إلى سوق للأوهام، وإقناع الناس بأن مفاتيح أرواحهم وأقدارهم مختبئة في سبعة مراكز للطاقة، ليس اكتشافًا لأسرار الإنسان، بل خلط بين الرمز والحقيقة، وبين التجربة والاعتقاد، وبين ما يمكن أن يكون تمرينًا للاسترخاء وما قد يتحول إلى منظومة فلسفية تنازع العقيدة في تفسير الوجود وعلاقة الإنسان بخالقه.