![]()

دعوة الإسلام إلى التراحم
الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.
عجيب أن تجد البعض لا يخشى من الدخول في حرب مباشرة مع الله تعالى، وكأنه لا يخاف عقابه ولا يحسب لجرأته على تحد الإرادة الإلهية حسابا، فإذا به يجاهر علانية بتبني أفكار تخالف صراحة الثوابت الدينية المعلومة لدى الجميع، بل ويوصفها كما لو كانت ضربا من ضروب التخلف والرجعية والنكوص إلى الوراء .
أصحاب هذه الأفكار ومن خلال آرائهم جعلوني أحاول الوقوف مرة أخرى على توجهاتهم في الحياة وكيف أنها أخذتهم إلى هذا الحد البعيد عن مجانبة الصواب إلى اعتقادات شيطانية لا يقيمون عليها أي دليل عقلي أو نقلي، إنهم فقط يتبعون ظنونا لا تغني عنهم من الحق شيئا، دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة حقيقية للمراجعة، أعني مراجعة أفكارهم وتصويب آرائهم من خلال مناقشات موضوعية مع أهل الاختصاص، لكن المشكلة الحقيقة تكمن في أن أحدا لا يعرف من هم أهل الاختصاص الحقيقيين بعد أن اختلط الحابل بالنابل وأصبح كل يقحم نفسه فيما لا يعنيه ويدعي أنه من أهل الخبرة والاختصاص دون وجود أي مؤشرات تدل على ذلك.
وعلى الرغم من قلة خبرة هؤلاء تراهم يتحدثون بنبرة تسفه كل الآراء التي تخالفهم، رافضين حتى مجرد الحوار الذي قد يقودهم إلى معرفة الصواب،أو توصيلهم إلى الحقيقة لأنهم بمنتهى البساطة لا يسمعون إلا أصواتهم ولا يرون إلا صورهم وخيالاتهم، وبالتالي فإن كل الأصوات الأخرى هي بالنسبة لهم ليست سوى مجرد طنين لا يكلفون أنفسهم عناء الإصغاء إليه.
ومن هنا تتولد لديهم الرغبة الدائمة في فرط سطوتهم على الآخرين حتى ولو كان ذلك من خلال سفسطة لا أحد يقتنع بها غيرهم ولا أحد يصدقها سوى من ابتلوا بعقول مثل عقولهم.
ربما يكون ذلك مقبولا عندما تكون هذه التطاولات في أمر دنيوي يقبل الأخذ والرد، أما أن يبلغ بهم الحال على أن يتجرؤوا على ثوابت الدين وهم يرتدون ثياب الفضيلة والنصيحة والحرص على المستقبل ، خارجين بنعرات لا تنم إلا عن شخصيات تافهة ذات عقول فارغة سوف تبقى في محلها ولن تتقدم قيد أنملة ، لأنهم من إفكهم ربطوا التقدم بالبعد عن الدين، ثم تراهم بعد كل ذلك يرون أنفسهم تقدميون وكل من عداهم رجعي يستحق المحاربة.
كنت أتخيل أننا وصلنا لدرجة من الوعي تجعلنا أكثر حرصا على التمسك بثوابتنا وكنت أحسب أن زمن التأثير علينا وتشتيت أفكارنا قد ذهب بلا رجعة، لكن ها نحن للأسف الشديد نعاود الوقوف مرة أخرى أمام فئة من مدعي الثقافة وأصحاب الشعر المكنوش والملابس المهلهلة التي تنم من وجهة نظر أصحابها عن عبقرية منقطعة النظير جعلتهم يتخيلون أنهم وحدهم حماة الإنسانية وكل الناس من أعدائها.
والغريب أنهم أوهموا أنفسهم أنهم مناضلون!!ولا أدري في أي مجال يناضلون سوى أن يكونوا بوقا يردد ما يمليهم عليه شياطينهم أو أن يكونوا مناضلين في الفنادق والمطاعم الفاخرة أو مناضلين.
أعتقد أن هؤلاء وأمثالهم في حاجة لمراجعة أفكارهم الهدامة التي لا تقودنا إلا إلى نفق كنا حتى وقت قريب نعاني من التردي فيه، فما لبثت أعناقنا أن تشرئب وترنو إلى استعادة هويتنا حتى وقف هؤلاء يجرونا إلى الوراء مرة أخرى، ولكن هيهات فشبابنا لم يعد هو ذلك الشباب القديم الذي ينخدع بالشعارات الكاذبة.

الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.

الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا يقف عند حدود “نقل الخبر”، بل يتجاوزه – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاجه في وعي الناس، فالإفراط في تداول الفاحشة، ووصفها بتفاصيلها، وتكرار عرضها في سياقات مختلفة، يؤدي إلى تطبيعها نفسيًا، حتى وإن كان ظاهر الطرح يحمل نبرة الاستنكار، ذلك أن النفس البشرية تألف ما يتكرر أمامها، وتعتاد ما يُعرض عليها بكثافة، فيضعف شعور الصدمة، وتخبو جذوة الرفض.

لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.

الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها الروح التي تحفظ للأمة توازنها، وتحمي ذاكرتها من التآكل، وتصون موروثها من الذوبان في تيارات العولمة الجارفة. وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى تمسكها بجذورها، فإن الأمة الإسلامية إنما تستمد قوتها من رسوخ هويتها التي صنعت حضارتها ووجّهت مسيرتها عبر القرون.

لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل أنماط التواصل، وطرق إنتاج المعرفة، وأساليب التأثير في الوعي الفردي والجماعي. فقد انتقلت المنابر من المساجد وقاعات الدرس إلى الفضاء الرقمي، وأصبح الخطاب الديني حاضرًا في الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، مما فرض واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا أعمق لدور هذا الخطاب وحدوده ومسؤوليته.

لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بل إن العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول في فضاءات واسعة دون تمحيصٍ كافٍ لمصدرها أو خلفيتها، وفي هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال دقيق يتصل بسلامة المنهج قبل جمال العبارة: هل كل ما صحّ معناه يُؤخذ، ولو صدر عن غير أهل السنة أو عُرف قائله بالبدعة والانحراف؟



