دولة المقامات

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
في السنوات الأخيرة، أخذ مشهد التلاوة القرآنية يتبدّل على مهل، لا بضجيجٍ ظاهر، بل بانزياحٍ خفيٍّ في الذائقة، وانحرافٍ تدريجي في بوصلة الأداء، إذ لم يعد السؤال المطروح: كيف يُتلى القرآن بصدقٍ وخشوع؟ بل صار:...
 تسييل الخطاب الديني بين الشعبوية وفلكلور المناسبات

دولة المقامات

في السنوات الأخيرة، أخذ مشهد التلاوة القرآنية يتبدّل على مهل، لا بضجيجٍ ظاهر، بل بانزياحٍ خفيٍّ في الذائقة، وانحرافٍ تدريجي في بوصلة الأداء، إذ لم يعد السؤال المطروح: كيف يُتلى القرآن بصدقٍ وخشوع؟ بل صار: على أي مقامٍ تُؤدَّى هذه الآية؟ وأي انتقالٍ لحنيٍّ يُرضي السامعين؟ هنا تبدأ الإشكالية، وهنا يتسلّل الخطر.

والحقيقة أن مدارس التلاوة الكبرى قد نشأت على الفطرة السليمة، لا على القوالب الجاهزة، حيث كان القارئ يسمع القرآن بقلبه قبل أذنه، ويتفاعل معه وجدانًا قبل أن يصوغه صوتًا.

ومن هذا التفاعل الحرّ وُلدت الأساليب المتفرّدة، وتشكّلت البصمات الصوتية التي لا تُخطئها الأذن؛ قارئ يُعرف من أول آية، وأسلوب لا يُقلَّد مهما تكرّر التقليد، فلم تكن هناك مقررات في المقامات، ولا جداول للانتقال اللحني، بل كانت هناك فطرة حيّة، وذائقة صادقة، وإحساس عميق بجلال النص القرآني.

أما اليوم، فقد طغى تعليم المقامات الموسيقية على توجهات كثير من قرّاء القرآن، حتى غدا المقام غاية لا وسيلة، وأصبح الأداء أسير سلّمٍ لحنيٍّ مُسبق، يُفرَض على الآية فرضًا، لا يُستنبط منها استنباطًا.

وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتحوّل القارئ من مبدعٍ متفاعل إلى منفّذٍ ماهر، ومن صاحب روحٍ خاصة إلى نسخة محسّنة من غيره.

إن الإغراق في تعلّم المقامات، حين ينفصل عن مقاصد التلاوة وروحها، لا يصنع قارئًا متفرّدًا، بل يقتل الإبداع الفطري الذي هو أساس التفوّق الحقيقي، فالفطرة لا تُدرَّس، لكنها تُصقَل.

أما القوالب الجاهزة، فمهما بدت متقنة، فإنها توحّد الأصوات بدل أن تميّزها، وتُنتج تشابهًا مقلقًا في الأداء، حتى ليصعب على المستمع اليوم أن يفرّق بين قارئٍ وآخر إلا بعد جهد.

ومنذ أن صار تعلّم المقامات مقصدًا بذاته، أصبحت القراءات تتشابه على نحو لافت؛ نفس التمهيد، نفس العُرَب، نفس الصعود والنزول، ونفس الخاتمة العاطفية المحسوبة. غاب الصوت الذي يفاجئك، والأسلوب الذي يشدّك دون أن تدري لماذا، والحالة التي تأخذك من عالم السماع إلى أفق التدبّر، حيث لم يعد التفرّد هو الأصل، بل صار الاستثناء.

ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، الدعوة إلى إقصاء المعرفة الصوتية أو إنكار أثر تحسين الأداء، فحسن الصوت نعمة، وضبط المقامات أداة، لكن الخلل يبدأ حين تتحوّل الأداة إلى سيّد، والنعمة إلى قيد. القرآن لا يُقرأ ليُستعرض، ولا يُتلى ليُقاس على قواعد الغناء، بل يُتلقّى بوصفه خطابًا إلهيًّا يتطلّب حضور القلب قبل جمال الصوت.

إن أخطر ما في طغيان المقامات أنه يُعيد تشكيل وعي القارئ نفسه؛ فينصرف جهده إلى إتقان الانتقالات بدل تعميق المعاني، وإلى إرضاء الأذن بدل إيقاظ القلب. وحينها، تخسر التلاوة جوهرها، وتفقد المدارس القرآنية قدرتها على إنتاج أصوات جديدة، تحمل روح عصرها دون أن تنفصل عن أصلها.

ولعل الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الدورات في المقامات، بقدر ما هي إلى إعادة الاعتبار للفطرة، وتشجيع القارئ على أن يجد صوته الخاص، وأن يثق بإحساسه، وأن يجعل المقام خادمًا للمعنى لا حاكمًا عليه. فبهذا وحده تعود التلاوة حيّة، متنوّعة، متفرّدة، كما كانت يومًا، وكما ينبغي أن تبقى.

 

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
هل صار تمييع الأحكام الشرعية من مهام المراكز الإسلامية في بلاد الغرب؟!
تابعت في الفترة الأخيرة قضية الشخص الأفغاني الذي ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية، والذي حكمت محكمة أفغانية...
المزيد »
 تسييل الخطاب الديني بين الشعبوية وفلكلور المناسبات
الشعبوية في المجال الديني لا تعني تبسيط الخطاب وتقريبه إلى الناس، فذلك مقصد محمود، وإنما تعني استبدال...
المزيد »
تسريح بإحسان
ثمةَ مفارقةٌ عميقة تعتري الفكرَ الاجتماعي حين يتناول الطلاق، فهو مكروهٌ في الشريعة، مبغوضٌ في الفطرة،...
المزيد »
أزمة الخطاب الديني في العصر الحديث.. قراءة نقدية مقاصدية
لم يعد الخطاب الديني في عصرنا مجرد وسيلة لنقل الأحكام أو تفسير النصوص، بل أصبح فاعلاً مركزياً في تشكيل...
المزيد »
فقه المعاملات..شريعة وسعت الحياة 
كثيرًا ما يُختزل الحديث عن الفقه الإسلامي في أذهان البعض داخل دائرة العبادات والشعائر، بينما يغيب عنهم...
المزيد »
دعوة الإسلام إلى التراحم
الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن...
المزيد »
 بين واجب التنوير وخطر الترويج
الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا...
المزيد »
آلات العلم
لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله،...
المزيد »
الهوية الإسلامية.. حصن الموروث ودرع الوعي 
 الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها...
المزيد »
 الخطاب الديني في عصر التحول الرقمي: بين الثبات والتجديد
لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي...
المزيد »
استعارة الحكمة من غير موضعها
لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بل إن العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول...
المزيد »
تسييس العقائد
لم يكن الخلاف العقدي في تاريخ المسلمين، في جوهره، ساحة صراع وجودي بقدر ما كان ميدانًا لاجتهادات علمية...
المزيد »
دندنة حول الخلافات الزوجية في بيوت أهل العلم
مما لا شك فيه أن بيوت العلماء عُرْضَة لكل ما يعتري البشر من صحَّة وسَقَم ... وتعافي ومرض .... ولسنا...
المزيد »
مرتكزات منهج التيسير في الشريعة الإسلامية
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضد الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص،...
المزيد »
الإسلام دين السلام
الحديث عن السلام في الإسلام أكبر من يختصر في مقالة، فالإسلام دين السلام ودين الرحمة، ومما لا شك فيه ولا...
المزيد »
فقد أعظم على الله الفرية
كنت أتخيل أننا وصلنا لدرجة من الوعي تجعلنا أكثر حرصا على التمسك بثوابتنا  وكنت أحسب أن زمن التأثير علينا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك

مقالات قد تهمك

أفغانستان

هل صار تمييع الأحكام الشرعية من مهام المراكز الإسلامية في بلاد الغرب؟!

تابعت في الفترة الأخيرة قضية الشخص الأفغاني الذي ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية، والذي حكمت محكمة أفغانية أخيرًا بإخلاء سبيله بعد ضغوط متزايدة من قبل قادة الغرب والفاتيكان والنظام العميل في أفغانستان.

Read More »
 تسييل الخطاب الديني بين الشعبوية وفلكلور المناسبات
الشعبوية

 تسييل الخطاب الديني بين الشعبوية وفلكلور المناسبات

الشعبوية في المجال الديني لا تعني تبسيط الخطاب وتقريبه إلى الناس، فذلك مقصد محمود، وإنما تعني استبدال الحقيقة بما يرضي الجمهور، واستبدال التربية بالإثارة، واستبدال العلم بالمشاعر العابرة.

Read More »
 تسييل الخطاب الديني بين الشعبوية وفلكلور المناسبات
آخر العلاج

تسريح بإحسان

ثمةَ مفارقةٌ عميقة تعتري الفكرَ الاجتماعي حين يتناول الطلاق، فهو مكروهٌ في الشريعة، مبغوضٌ في الفطرة، غيرُ مرغوبٍ فيه بطبيعة الحال، وقد جعله الإسلامُ آخرَ العلاج كما قيل: آخر الدواء الكيّ. غير أن الشريعةَ ذاتها التي أبغضته لم تُغلق بابه، بل تركته مفتوحاً رحمةً بالإنسان وإقراراً بأن الحياةَ أعقدُ من أن تُحلَّ معادلاتُها بالإجبار.

Read More »
 تسييل الخطاب الديني بين الشعبوية وفلكلور المناسبات
المرونة

فقه المعاملات..شريعة وسعت الحياة 

كثيرًا ما يُختزل الحديث عن الفقه الإسلامي في أذهان البعض داخل دائرة العبادات والشعائر، بينما يغيب عنهم أن جانبًا عظيمًا من هذا الفقه إنما وُضع لتنظيم حركة الحياة نفسها؛ لتنظيم الأسواق، وضبط البيوع، وصيانة الحقوق، وتحقيق التوازن بين مصلحة الفرد والجماعة. ومن هنا كان فقه المعاملات واحدًا من أكثر الأبواب الفقهية اتصالًا بواقع الناس، وأكثرها احتياجًا إلى الفهم العميق الذي يجمع بين النص وروح التشريع، وبين الثبات الشرعي ومتغيرات الحياة.

Read More »
دعوة الإسلام إلى التراحم
الإمام مسلم

دعوة الإسلام إلى التراحم

الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.

Read More »