![]()

دعوة الإسلام إلى التراحم
الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.
لم يكن الخلاف العقدي في تاريخ المسلمين، في جوهره، ساحة صراع وجودي بقدر ما كان ميدانًا لاجتهادات علمية نشأت في سياقات فكرية متباينة، وتفاعلت مع تحديات عصرها، وعبّرت عن تنوّع في طرائق البيان والدفاع عن أصول الدين. ومن بين أبرز هذه الاجتهادات ما عُرف لاحقًا بالمدرسة الأشعرية، نسبة إلى أبو الحسن الأشعري، والمدرسة السلفية التي تنتسب في أصولها المنهجية إلى تقريرات أئمة السلف، ويُعدّ أحمد بن حنبل أحد أعلامها الكبار في تقرير منهج التعامل مع النصوص. غير أن ما كان في الماضي خلافًا في طرائق النظر والاستدلال، تحوّل في أزمنة متأخرة إلى عنوان استقطاب حاد، تتداخل فيه الدوافع السياسية والمصالح الأيديولوجية، بل وتغذّيه أحيانًا أطراف لا يعنيها من الدين إلا تمزيق كتلته الاجتماعية وإضعاف حضوره الحضاري.
عند التأمل في المتون الكبرى التي شكّلت وعي المدرستين، يتبيّن أن مساحة الاتفاق أوسع بكثير من دائرة الخلاف. فالإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، أصولٌ مجمع عليها بين الأشاعرة والسلفية، بل هي من صميم العقيدة السنية الجامعة. كما أن المرجعية العليا للنصّ القرآني والسنة النبوية أمرٌ لا ينازع فيه أحد من الفريقين.
موطن التباين انحصر – في الغالب – في مسائل تتعلّق بصفات الله تعالى وكيفية فهم النصوص الواردة فيها، وبمدى توظيف الأدوات الكلامية والعقلية في تقرير العقائد. فالمدرسة الأشعرية، التي تبلورت مع جهود أبو الحسن الأشعري ثم نضجت على أيدي أعلام كـ أبو حامد الغزالي، سعت إلى إقامة نسق دفاعي يستخدم أدوات المنطق والكلام للرد على الفِرَق المخالفة والفلسفات الوافدة، مع الحفاظ – في نظرها – على التنزيه الإلهي وصيانة النص من التشبيه. في المقابل، شدّد الاتجاه السلفي، الذي يُستحضر في سياقه اسم ابن تيمية، على أولوية النصّ، والتحفّظ تجاه التوسّع في التأويل الكلامي، والدعوة إلى إثبات الصفات كما وردت “من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل”.
غير أن هذا التباين، إذا وُضع في إطاره العلمي، لا يخرج عن كونه اختلافًا في المناهج والعبارات، أكثر منه اختلافًا في المقاصد الكبرى أو في أصل الإيمان. وقد عبّر كثير من العلماء عبر القرون عن هذا المعنى، فعدّوا الجميع داخلين في دائرة أهل السنة، مع بقاء النقاش العلمي مفتوحًا في حدود الأدب والمناظرة.
العودة إلى التاريخ تكشف أن الخلاف بين الأشاعرة وأتباع المنهج السلفي لم يكن، في غالب عصوره، معركة استئصال أو تبديع شامل. فقد تعايش الاتجاهان في مؤسسات علمية واحدة، وتجاور أعلامهما في المدارس والجامعات، ودرّس بعضهم كتب بعض، مع استمرار النقد العلمي المتبادل.
في الجامعات الكبرى في المشرق والمغرب، كان حضور الأشاعرة واضحًا في مناهج التدريس، دون أن يُقصى الاتجاه الآخر من ساحة البحث. كما أن كتب التراجم والطبقات حفلت بعبارات الاحترام المتبادل، وإن لم تخلُ من ردود علمية صارمة أحيانًا. لكن هذه الردود كانت، في عمومها، تنتمي إلى تقاليد الجدل المنضبط الذي يقرّ بالانتماء المشترك إلى أهل القبلة.
حتى في اللحظات التي اشتدّ فيها السجال، ظلّ الخلاف محكومًا بأطر معرفية، ولم يتحوّل إلى مشروع تفكيك للهوية السنية الجامعة. ولم يكن شائعًا أن تُختزل السنية في توصيف واحد ضيّق يُقصي بقية المدارس، بل كان مفهوم “أهل السنة والجماعة” أوسع من أن يُحتكر.
التحوّل الأخطر لم يقع في طبيعة الخلاف ذاته، بل في توظيفه. ففي سياقات حديثة، ومع صعود مشاريع أيديولوجية تسعى إلى احتكار تمثيل “السنة”، أُعيد إحياء السجالات القديمة بلغة تعبئة واستقطاب، لا بلغة تحقيق وتحرير. وصار الخلاف في مسألة تأويل أو تفويض، أو في حدود استخدام المنطق، يُقدَّم بوصفه معيار الولاء والبراء، بل بوصفه حدًا فاصلًا بين “السنة” و”البدعة” في خطاب تعبوي حاد.
هذا الاستثمار لا ينفصل عن تحولات سياسية واجتماعية أوسع. ففي بيئات تعاني من هشاشة الدولة أو صراع الهويات، يسهل تحويل الخلافات المذهبية إلى أدوات حشد وتعبئة. كما أن بعض الأنظمة أو الحركات قد تجد في تضخيم الانقسام المذهبي وسيلة لإضعاف خصومها أو تشتيت الكتلة السنية إلى تيارات متناحرة، كلٌّ منها يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة.
ولا يمكن إغفال أن أطرافًا خارجية، معنية بإضعاف المجتمعات المسلمة وتمزيقها، قد تستفيد من تغذية هذا الاستقطاب، سواء عبر منصات إعلامية، أو عبر دعم خطاب متشدد يشيطن الطرف الآخر. فكلما انشغلت الكتلة السنية بصراعات داخلية، تراجعت قدرتها على مواجهة تحدياتها الكبرى، سواء كانت فكرية أو سياسية أو حضارية.
إن إعادة قراءة الخلاف بين الأشاعرة والسلفية قراءةً هادئة تكشف أنه لا يمسّ جوهر التوحيد ولا أركان الإيمان، وإنما يدور في فضاء الاجتهاد البشري في فهم النصوص وضبط العلاقة بين العقل والنقل. وهو فضاء بطبيعته قابل للتعدد، ما دام منضبطًا بأصول الشرع ومقاصده.
الوعي بهذه الحقيقة يقتضي التمييز بين مستويين: مستوى البحث العلمي المتخصص، وهو ميدان مشروع للنقاش والتمحيص، ومستوى الانتماء العام إلى أهل السنة، وهو إطار جامع لا ينبغي تمزيقه بسبب مسائل اجتهادية. كما يقتضي الحذر من الخطاب الذي يُسقِط أحكامًا كلية قاطعة على طوائف واسعة من العلماء والفقهاء الذين خدموا الإسلام عبر قرون.
إن استحضار السياق التاريخي، وإدراك طبيعة التطور الكلامي، والتفريق بين الخلاف في العبارات والخلاف في الحقائق، كلها عناصر تعيد النقاش إلى حجمه الطبيعي. فليس كل اختلاف في الصياغة اختلافًا في العقيدة، ولا كل نقدٍ علميٍّ إعلانَ خصومة وجودية.
من هنا، تبدو الحاجة ماسّة إلى خطاب علمي رصين يقرّ بالتنوع داخل البيت السني، ويمنع تحويل الجدل الكلامي إلى سلاح تفريق. خطاب يُدرك أن وحدة الصف لا تعني إلغاء الاجتهاد، وأن التعدد المنضبط قد يكون مصدر ثراء لا سبب شقاق، ما دام الجميع يحتكم إلى القرآن والسنة، ويعترف بسعة التراث، ويتحرر من توظيف الخلاف في معارك السياسة وصراعات النفوذ.

الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.

الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا يقف عند حدود “نقل الخبر”، بل يتجاوزه – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاجه في وعي الناس، فالإفراط في تداول الفاحشة، ووصفها بتفاصيلها، وتكرار عرضها في سياقات مختلفة، يؤدي إلى تطبيعها نفسيًا، حتى وإن كان ظاهر الطرح يحمل نبرة الاستنكار، ذلك أن النفس البشرية تألف ما يتكرر أمامها، وتعتاد ما يُعرض عليها بكثافة، فيضعف شعور الصدمة، وتخبو جذوة الرفض.

لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.

الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها الروح التي تحفظ للأمة توازنها، وتحمي ذاكرتها من التآكل، وتصون موروثها من الذوبان في تيارات العولمة الجارفة. وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى تمسكها بجذورها، فإن الأمة الإسلامية إنما تستمد قوتها من رسوخ هويتها التي صنعت حضارتها ووجّهت مسيرتها عبر القرون.

لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل أنماط التواصل، وطرق إنتاج المعرفة، وأساليب التأثير في الوعي الفردي والجماعي. فقد انتقلت المنابر من المساجد وقاعات الدرس إلى الفضاء الرقمي، وأصبح الخطاب الديني حاضرًا في الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، مما فرض واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا أعمق لدور هذا الخطاب وحدوده ومسؤوليته.

لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بل إن العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول في فضاءات واسعة دون تمحيصٍ كافٍ لمصدرها أو خلفيتها، وفي هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال دقيق يتصل بسلامة المنهج قبل جمال العبارة: هل كل ما صحّ معناه يُؤخذ، ولو صدر عن غير أهل السنة أو عُرف قائله بالبدعة والانحراف؟



