![]()

دعوة الإسلام إلى التراحم
الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.
لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بعد أن باتت العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول في فضاءات واسعة دون تمحيصٍ كافٍ لمصدرها أو خلفيتها، وفي هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال دقيق يتصل بسلامة المنهج قبل جمال العبارة: هل كل ما صحّ معناه يُؤخذ، ولو صدر عن غير أهل السنة أو عُرف قائله بالبدعة والانحراف؟
إن الإشكال لا يكمن في جمال العبارة أو دقة معناها المجرد، بل في المنظومة التي تنتمي إليها، والسياق الذي وُلدت فيه. فالكلمة ليست جسدًا مستقلًا عن روح قائلها، بل تحمل في طياتها ملامح منهجه، ورواسب فكره، وأثر تصوره العقدي. ومن هنا، فإن التساهل في تداول أقوال أهل البدع، ولو كانت صحيحة في ظاهرها، قد يفتح أبوابًا خفية لتسلل أفكارهم، وترويج رموزهم، وإضفاء هالة من القبول على مناهج لم تُبنَ على هديٍ مستقيم.
لقد أدرك علماء الإسلام قديمًا هذه الحقيقة الدقيقة، ففرّقوا بين المعنى المجرد الذي قد يكون صوابًا، وبين نسبة القول إلى قائله والترويج له، فلم يكونوا يمنعون من قبول الحق لكونه حقًا، لكنهم في الوقت ذاته كانوا يتحفظون من تعظيم أهل البدع أو نشر أقوالهم بما يوهم تزكيتهم، أو يفتح باب الاغترار بهم. فالمسألة إذًا ليست في ذات العبارة، بل في آثارها الممتدة في الوعي الجمعي.
وفي الواقع المعاصر، تتضاعف خطورة هذا المسلك مع انتشار وسائل التواصل، حيث تُختزل الشخصيات في عبارات، وتُمحى الفوارق بين المناهج، ويُعاد تقديم بعض الرموز المثيرة للجدل في صورة “حكماء” أو “مفكرين” دون الإشارة إلى انحرافاتهم. وهنا تتشكل أزمة وعي حقيقية، إذ ينشأ جيل يتلقى الحكمة من مصادر متباينة دون ميزان، فيذوب لديه الفارق بين من يُقتدى به ومن يُحذَر منه.
ولا يُغفل في هذا السياق أن بعض الأقوال الصحيحة إذا صدرت عن أهل البدع، قد تكون جزءًا من بناءٍ فكري أوسع يحمل في جوهره انحرافًا، فيُخشى أن يكون تداولها مدخلًا لقبول ما وراءها. فالكلمة قد تكون طُعمًا، والمعنى الظاهر قد يخفي خلفه منظومةً كاملة تتسلل تدريجيًا إلى العقول. ومن هنا جاء تحذير العلماء من تتبع الشواذ، أو الاغترار بزخرف القول دون النظر إلى أصوله.
إن الانضباط في هذا الباب لا يعني الانغلاق أو رفض الحق حيثما كان، بل يقتضي فقهًا دقيقًا يوازن بين قبول المعاني الصحيحة، والحذر من ترويج أصحابها إذا كانوا على غير هدى.
فعقلية المؤمن لا يمكن أن تقتصر على مجرد تلقي الكلمات، لأن المرجو من المؤمن أن يكون ناقدا بصيرا ، يُحسن التمييز بين النور الذي يُهتدى به، والسراب الذي يُحسب ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
ولعل من تمام الحكمة أن تُنسب الأقوال إلى منابعها الصافية، وأن يُستغنى عن المشتبه بالمأمون، فتراث الأمة زاخر بالحكم البليغة، والمعاني العميقة، التي صدرت عن أئمة هدى جمعوا بين سلامة الاعتقاد وصدق البيان. وفي ذلك غنية عن الاستعارة من موارد ملتبسة، قد تُكسب العبارة بريقًا، لكنها تُفقد المنهج صفاءه.
وهكذا يبقى الميزان الدقيق هو الحاكم: لا يُردّ الحق لكون قائله مخطئًا، ولا يُروّج للخطأ بحجة أن بعض كلامه صواب. وبين هذين الحدّين، تتجلى فطنة العالم، وحكمة الداعية، ووعي القارئ الذي يدرك أن كل كلمة تحمل أثر صاحبها، وأن سلامة المنهج أولى من بريق العبارة.

الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.

الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا يقف عند حدود “نقل الخبر”، بل يتجاوزه – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاجه في وعي الناس، فالإفراط في تداول الفاحشة، ووصفها بتفاصيلها، وتكرار عرضها في سياقات مختلفة، يؤدي إلى تطبيعها نفسيًا، حتى وإن كان ظاهر الطرح يحمل نبرة الاستنكار، ذلك أن النفس البشرية تألف ما يتكرر أمامها، وتعتاد ما يُعرض عليها بكثافة، فيضعف شعور الصدمة، وتخبو جذوة الرفض.

لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.

الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها الروح التي تحفظ للأمة توازنها، وتحمي ذاكرتها من التآكل، وتصون موروثها من الذوبان في تيارات العولمة الجارفة. وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى تمسكها بجذورها، فإن الأمة الإسلامية إنما تستمد قوتها من رسوخ هويتها التي صنعت حضارتها ووجّهت مسيرتها عبر القرون.

لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل أنماط التواصل، وطرق إنتاج المعرفة، وأساليب التأثير في الوعي الفردي والجماعي. فقد انتقلت المنابر من المساجد وقاعات الدرس إلى الفضاء الرقمي، وأصبح الخطاب الديني حاضرًا في الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، مما فرض واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا أعمق لدور هذا الخطاب وحدوده ومسؤوليته.

لم يكن الخلاف العقدي في تاريخ المسلمين، في جوهره، ساحة صراع وجودي بقدر ما كان ميدانًا لاجتهادات علمية نشأت في سياقات فكرية متباينة، وتفاعلت مع تحديات عصرها، وعبّرت عن تنوّع في طرائق البيان والدفاع عن أصول الدين.



