لم يكن الخطاب الديني في الثقافة الإسلامية مجرد كلمات تُلقى، ولا أصواتًا تُطرب الآذان، ولا أداءً مسرحيًا يُستدرُّ به التصفيق أو الدموع، وإنما كان رسالةً تصنع الإنسان، وتبني الضمير، وتهذب الوجدان، وتربط الأرض بالسماء، ولذلك ظل العلماء عبر القرون ينظرون إلى الكلمة الدينية بوصفها أمانةً ثقيلة، لا مهنةً للتكسب، ولا وسيلةً لاجتذاب الجماهير، ولا بابًا للشهرة والمنافسة على الأضواء.
غير أن المتأمل في بعض المظاهر التي أخذت تنتشر في السنوات الأخيرة يلحظ تحولًا مقلقًا في طبيعة الخطاب الديني، حتى أصبح في بعض صوره أقرب إلى “العرض الجماهيري” منه إلى البيان الشرعي، وإلى “الفرجة” منه إلى التربية، وإلى استدرار الانفعال أكثر من صناعة الوعي. وبرزت على هامش هذا التحول ظاهرة ما يمكن تسميته بـ”خطباء المناسبات”، الذين ارتبط حضورهم بالأفراح وسرادقات العزاء والاحتفالات الاجتماعية، حتى صار نجاح بعضهم يقاس بقدرته على إثارة الحضور، وإضحاكهم أو إبكائهم، لا بقدر ما يغرسه فيهم من علم أو هداية أو إصلاح.
وهنا لا يكون الخلل في إقامة كلمة وعظ في مناسبة اجتماعية، فالموعظة الحسنة مطلوبة في كل زمان ومكان، وإنما في الكيفية التي يتحول بها الدين إلى مادة استهلاكية، تخضع لقوانين السوق، وتنافس على رضا الجمهور، وتُقاس قيمتها بمقدار ما تحققه من شهرة أو مكاسب مادية.
الخطاب الديني بين الرسالة والاستهلاك
كل خطاب يحمل في داخله فلسفته الخاصة، فإذا كان الخطاب العلمي يبحث عن الحقيقة، والخطاب الإعلامي يسعى إلى التأثير، فإن الخطاب الديني غايته الأولى هداية الإنسان إلى الله، وبناء الشخصية المؤمنة، وتقويم السلوك وفق ميزان الوحي.
غير أن هذا الهدف يفقد بوصلته عندما يصبح همُّ المتحدث هو المحافظة على جماهيريته، أو ضمان دعوته إلى مناسبات جديدة، أو إرضاء أذواق الجمهور التي تميل غالبًا إلى الإثارة والقصص العاطفية والمواقف المؤثرة. وعندئذ تبدأ عملية “تسييل” الخطاب الديني؛ أي تفريغه تدريجيًا من عمقه العلمي، وتحويله إلى خطاب سريع الاستهلاك، قليل المضمون، يعتمد على المؤثرات الصوتية والانفعالية أكثر من اعتماده على البيان الشرعي الرصين.
وتلك الظاهرة ليست جديدة في تاريخ المجتمعات، فقد حذر العلماء قديمًا من “القصاص” الذين كانوا يجذبون العامة بالحكايات الغريبة والمبالغات والعجائب، حتى يلتف الناس حولهم، بينما يبتعدون عن مجالس العلم التي تقوم على الفهم والتحقيق والتأصيل. وكان العلماء يرون أن الخطورة لا تكمن في ضعف المعلومات فحسب، بل في اعتياد الجماهير على تلقي الدين بوصفه وسيلة للإثارة لا للهداية.
عندما يصبح الدين جزءًا من فلكلور المناسبات
من أخطر آثار هذه الظاهرة أن الخطاب الديني يفقد هيبته الطبيعية، ويتحول إلى فقرة ضمن برنامج الاحتفال أو العزاء، شأنه شأن أي فقرة ترفيهية أو اجتماعية. فيصبح الخطيب مطالبًا بأن يملأ الوقت، ويحافظ على انتباه الجمهور، ويستجيب لمزاج الحضور، وربما يُطالَب بترديد عبارات بعينها أو إنشاد مقاطع معينة أو استحضار قصص مؤثرة تضمن تفاعل المستمعين.
وهكذا يتغير معيار النجاح؛ فلا يعود السؤال: ماذا تعلم الناس؟ بل: كم بكى الحضور؟ وكم ضحكوا؟ وكم مرة صفقوا أو رددوا خلف الخطيب؟
ومع مرور الزمن يعتاد المجتمع هذا النموذج، فتضعف مكانة العالم المتخصص الذي يتحدث بلغة هادئة، ويعلو شأن من يمتلك مهارات الأداء والانفعال، ولو كان نصيبه من العلم محدودًا. وبذلك تنتقل المرجعية في الوعي الشعبي من أهل التخصص إلى نجوم المنابر الجماهيرية، وهو تحول بالغ الخطورة في تشكيل الثقافة الدينية.
التربح المشروع والتكسب المذموم
ليس المقصود من هذا النقد إنكار حق الداعية أو العالم في الحصول على مقابل لوقته وجهده، فقد أجاز الفقهاء أخذ الأجرة على كثير من أعمال التعليم والدعوة بضوابطها الشرعية، ولا ينبغي الخلط بين الرزق المشروع وبين المتاجرة بالدين.
إنما الإشكال يبدأ عندما تتحول الدعوة نفسها إلى صناعة قائمة على قوانين العرض والطلب، فيُعاد تشكيل مضمون الخطاب بما يحقق الانتشار، أو يضمن كثرة الدعوات، أو يزيد المقابل المالي، فيصبح رضا الجمهور مقدمًا على مقتضيات التربية، وتصبح الإثارة وسيلة ثابتة للحفاظ على “السوق”.
وهنا يتحول الدين من رسالة تهذب أهواء الناس إلى خطاب يخضع لأهوائهم، ويصبح الداعية أسيرًا لتوقعات الجمهور، يخشى أن يفقد شعبيته إذا تحدث بلغة العلم، أو ناقش القضايا العميقة، أو واجه الأخطاء الاجتماعية بصراحة وحكمة.
الشعبوية الدينية وإضعاف الوعي
الشعبوية في المجال الديني لا تعني تبسيط الخطاب وتقريبه إلى الناس، فذلك مقصد محمود، وإنما تعني استبدال الحقيقة بما يرضي الجمهور، واستبدال التربية بالإثارة، واستبدال العلم بالمشاعر العابرة.
ومن هنا فإن الخطاب الشعبوي يكثر فيه التكرار، والمبالغة، والقصص غير الموثقة، والمواقف التي تُستدر بها العواطف، بينما يقل فيه التأصيل، والتحليل، وربط الأحكام بمقاصدها، وبناء العقل المسلم القادر على الفهم والتمييز.
ولذلك فإن أثره – مهما بدا واسع الانتشار – يظل أثرًا مؤقتًا؛ إذ يثير الانفعال في لحظته، لكنه لا يصنع وعيًا طويل الأمد، ولا يبني شخصية مستقرة، لأن المشاعر إذا لم تستند إلى علم راسخ سرعان ما تخبو بزوال المؤثر.
استعادة وقار المنبر
إن المنبر ليس مكانًا للتمايز في الأداء، ولا ساحةً للمنافسة على التصفيق، وإنما موضعٌ تتنزل فيه معاني الهداية، ويُبلَّغ من خلاله ميراث الأنبياء. ولذلك كان العلماء يهابون الكلمة قبل أن ينطقوا بها، ويرون أن هيبة العلم جزء من أثره، وأن الوقار ليس تكلفًا في الهيئة، بل انعكاس لصدق الرسالة وعظمة ما تحمله.
واستعادة مكانة الخطاب الديني تقتضي إعادة الاعتبار إلى العلم الرصين، وإلى التأهيل العلمي للدعاة، وإلى المؤسسات الدينية التي تحفظ منهجية الفهم، كما تقتضي ترسيخ ثقافة مجتمعية تفرق بين الخطيب المؤثر والخطيب المؤهل، وبين حسن الأداء وعمق العلم، وبين البلاغة التي تخدم الحقيقة، والبلاغة التي تستغل المشاعر.
كما أن من الواجب إعادة النظر في الثقافة التي تصنع من بعض المناسبات الاجتماعية مواسم للتنافس في استقدام أشهر الخطباء وأكثرهم إثارة، حتى لا يصبح الدين وسيلة لإضفاء طابع احتفالي على المناسبة، بدلاً من أن يكون رسالة إصلاح وذكرى نافعة.
إن الأمة التي تريد لخطابها الديني أن يبني الحضارة، ويحصن الهوية، ويواجه التحديات الفكرية، لا ينبغي أن تسمح بانزلاقه إلى منطق السوق أو إلى فلكلور المناسبات. فالدين أعظم من أن يكون مادة للاستهلاك، والمنبر أرفع من أن يتحول إلى خشبة عرض، والكلمة التي خرجت يومًا لتوقظ الضمائر لا يليق بها أن تصبح أداة لاستدرار التصفيق أو وسيلة لزيادة الرواج. وحين يستعيد الخطاب الديني وقاره، ويعود إلى رسالته الأولى، يصبح قادرًا مرة أخرى على صناعة الإنسان، لا مجرد صناعة اللحظة، وعلى بناء العقول، لا مجرد تحريك المشاعر، وعلى حمل ميراث النبوة كما أراده الله: هدايةً، ورحمةً، وبصيرةً للعالمين.