![]()

دعوة الإسلام إلى التراحم
الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.
كثيرًا ما يُختزل الحديث عن الفقه الإسلامي في أذهان البعض داخل دائرة العبادات والشعائر، بينما يغيب عنهم أن جانبًا عظيمًا من هذا الفقه إنما وُضع لتنظيم حركة الحياة نفسها؛ لتنظيم الأسواق، وضبط البيوع، وصيانة الحقوق، وتحقيق التوازن بين مصلحة الفرد والجماعة. ومن هنا كان فقه المعاملات واحدًا من أكثر الأبواب الفقهية اتصالًا بواقع الناس، وأكثرها احتياجًا إلى الفهم العميق الذي يجمع بين النص وروح التشريع، وبين الثبات الشرعي ومتغيرات الحياة.
ولعل من أعظم ما يميز الفقه الإسلامي في هذا الباب تلك المرونة الواسعة التي جعلته قادرًا على مواكبة الأزمنة المختلفة والبيئات المتعددة دون أن يفقد أصالته أو ينفصل عن جذوره الشرعية. فالشريعة الإسلامية لم تُبنَ على التضييق وإعنات الناس، وإنما قامت على التيسير ورفع الحرج وتحقيق المصالح ودفع المفاسد، ولذلك وجد المسلمون عبر القرون فسحة رحبة داخل المذاهب الفقهية المختلفة، تُمكّنهم من اختيار ما يلائم أحوالهم ومصالحهم العامة، ما دام ذلك الاختيار منضبطًا بأصول الشرع ومقاصده الكبرى.
وهذه السعة ليست خللًا في البناء الفقهي كما يتوهم البعض، بل هي من أعظم دلائل نضجه وحيويته؛ لأن الشريعة التي خوطبت بها أمم متعددة وأعراق مختلفة وأزمنة متباينة لا يمكن أن تقوم على الجمود الكامل الذي يعجز عن استيعاب حركة الواقع وتحولاته.
والمتأمل في التراث الفقهي الإسلامي يدرك سريعًا أن الاختلاف بين الفقهاء لم يكن صراعًا على الحقيقة، ولا تنازعًا على أصول الدين، وإنما كان ثمرة طبيعية لاجتهادات متعددة انطلقت جميعها من القرآن الكريم والسنة النبوية. ولهذا ظل الاختلاف الفقهي في كثير من مسائله اختلاف تنوع وسعة، لا اختلاف تضاد وتمزق.
وقد فهم العلماء الأوائل أن النصوص الشرعية نفسها تحمل في بعض المواطن قدرًا من المرونة يسمح بتعدد الأنظار والاجتهادات وفق ما تقتضيه المصلحة وتفرضه أحوال الناس. ومن هنا جاءت القاعدة الشهيرة التي تقرر أن الأحكام قد تتبدل بتبدل الزمان والمكان والأعراف والمصالح، ما دامت من المسائل الاجتهادية التي تحتمل النظر.
وقد استدل العلماء على هذا المعنى بجملة من الأحاديث النبوية التي تكشف البعد المقاصدي في التشريع الإسلامي، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم»، فقد ترك النبي ﷺ أمرًا يحبه ويقر بصوابه مراعاةً لحال الناس وخشية وقوع الفتنة. وكذلك قوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل، ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، وهو توجيه نبوي بالغ الدلالة على أن مراعاة أحوال الناس وقدراتهم جزء أصيل من روح الشريعة.
وفي هذا السياق، كان الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق رحمه الله يؤكد أن هذه المرونة لا تعني إعراضًا عن الشريعة أو تفلتًا من أحكامها، بل هي من صميم الفهم الصحيح للإسلام، لأن الشريعة جاءت لهداية الإنسان لا لتعذيبه، ولتنظيم الحياة لا لتجميدها.
ومن هنا يبدو الانبهار غير المنضبط بالقوانين الاقتصادية والتجارية المستوردة أمرًا يفتقر إلى التوازن والإنصاف؛ إذ إن بعض الناس يتعاملون مع الفقه الإسلامي وكأنه عاجز عن استيعاب النظم الحديثة، مع أن الحقيقة التاريخية والعلمية تؤكد أن فقه المعاملات الإسلامي كان من أكثر النظم القانونية قدرةً على تنظيم العلاقات المالية والتجارية عبر العصور.
فالإسلام لم يضيّق على الناس في شؤون البيع والشراء والاستثمار والتملك حتى يضطروا إلى البحث عن بدائل خارجة عن إطاره، بل فتح أبوابًا واسعة للاجتهاد، وأتاح تعددًا فقهيًا يمنح الأمة القدرة على اختيار ما يناسب مصالحها الاقتصادية والاجتماعية في كل عصر. ولذلك كان من الممكن لولي الأمر، إذا أراد اعتماد سياسة اقتصادية أو نمطًا ماليًا معينًا، أن يستند إلى أحد الآراء الفقهية المعتبرة داخل المذاهب الإسلامية، ثم يُلزم الناس به تحقيقًا لوحدة النظام العام واستقرار المعاملات.
ولا يعني هذا أن الرأي الذي يقع عليه الاختيار هو وحده الحق المطلق، وأن غيره باطل، بل لأن تنظيم شؤون المجتمع يحتاج إلى مرجعية موحدة تمنع الفوضى والتضارب. ولهذا جعل الإسلام طاعة ولي الأمر في غير معصية واجبة، حفاظًا على انتظام حياة الناس واستقرار مصالحهم، كما قال تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾.
ومن عظمة الفقه الإسلامي أنه لم يجعل تعدد الآراء بابًا للاضطراب، بل جعله مصدر ثراء تشريعي يتيح للمجتمعات الإسلامية أن تتحرك داخل دائرة الشريعة دون أن تصطدم بجمود يعطل مصالحها أو يرهق واقعها.
إن النظرة السطحية وحدها هي التي تجعل البعض يتصور أن اختلاف الفقهاء نوع من التناقض أو الانقسام، بينما الحقيقة أن هذه الاختلافات كانت في أغلبها تعبيرًا عن حيوية العقل الإسلامي واتساع أفقه العلمي. فالأئمة المجتهدون، على اختلاف مدارسهم، كانوا ينهلون من معين واحد، ويرجعون إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لكنهم اختلفوا في طرائق الفهم والترجيح والاستنباط.
ولهذا ظل الفقه الإسلامي، رغم تعدد مذاهبه، يحمل روحًا واحدة وغاية واحدة، هي تحقيق العدل، ورفع الحرج، وصيانة مصالح الناس، وربط حركة الحياة بقيم الأخلاق والإيمان. فالمذاهب الفقهية لم تكن جزرًا متصارعة، بل مدارس علمية متكاملة، لكل منها منهجه وأصوله، لكنها جميعًا تتحرك داخل الإطار الكبير للشريعة الإسلامية.
ومن هنا تتجلى عظمة هذا البناء التشريعي الفريد؛ فهو ثابت في أصوله، مرن في فروعه، قادر على الجمع بين الاستقرار والتجدد، وبين الحفاظ على الهوية والانفتاح على متطلبات العصر. ولذلك بقي فقه المعاملات الإسلامي عبر القرون شاهدًا على أن الشريعة ليست عبئًا على الحياة، بل نظامًا ربانيًا يملك من السعة والرحمة ما يجعله صالحًا لكل زمان ومكان.

الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.

الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا يقف عند حدود “نقل الخبر”، بل يتجاوزه – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاجه في وعي الناس، فالإفراط في تداول الفاحشة، ووصفها بتفاصيلها، وتكرار عرضها في سياقات مختلفة، يؤدي إلى تطبيعها نفسيًا، حتى وإن كان ظاهر الطرح يحمل نبرة الاستنكار، ذلك أن النفس البشرية تألف ما يتكرر أمامها، وتعتاد ما يُعرض عليها بكثافة، فيضعف شعور الصدمة، وتخبو جذوة الرفض.

لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.

الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها الروح التي تحفظ للأمة توازنها، وتحمي ذاكرتها من التآكل، وتصون موروثها من الذوبان في تيارات العولمة الجارفة. وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى تمسكها بجذورها، فإن الأمة الإسلامية إنما تستمد قوتها من رسوخ هويتها التي صنعت حضارتها ووجّهت مسيرتها عبر القرون.

لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل أنماط التواصل، وطرق إنتاج المعرفة، وأساليب التأثير في الوعي الفردي والجماعي. فقد انتقلت المنابر من المساجد وقاعات الدرس إلى الفضاء الرقمي، وأصبح الخطاب الديني حاضرًا في الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبث المباشر، مما فرض واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا أعمق لدور هذا الخطاب وحدوده ومسؤوليته.

لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بل إن العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول في فضاءات واسعة دون تمحيصٍ كافٍ لمصدرها أو خلفيتها، وفي هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال دقيق يتصل بسلامة المنهج قبل جمال العبارة: هل كل ما صحّ معناه يُؤخذ، ولو صدر عن غير أهل السنة أو عُرف قائله بالبدعة والانحراف؟



