تسريح بإحسان

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
ثمةَ مفارقةٌ عميقة تعتري الفكرَ الاجتماعي حين يتناول الطلاق، فهو مكروهٌ في الشريعة، مبغوضٌ في الفطرة، غيرُ مرغوبٍ فيه بطبيعة الحال، وقد جعله الإسلامُ آخرَ العلاج كما قيل: آخر الدواء الكيّ. غير أن الشريعةَ ذاتها...
تسريح بإحسان

تسريح بإحسان

ثمةَ مفارقةٌ عميقة تعتري الفكرَ الاجتماعي حين يتناول الطلاق، فهو مكروهٌ في الشريعة، مبغوضٌ في الفطرة، غيرُ مرغوبٍ فيه بطبيعة الحال، وقد جعله الإسلامُ آخرَ العلاج كما قيل: آخر الدواء الكيّ. غير أن الشريعةَ ذاتها التي أبغضته لم تُغلق بابه، بل تركته مفتوحاً رحمةً بالإنسان وإقراراً بأن الحياةَ أعقدُ من أن تُحلَّ معادلاتُها بالإجبار.

فليس الطلاق في التصور الإسلامي غاية تُطلب ولا خيارًا يُستحب اللجوء إليه عند أول خلاف، بل هو خلاف الأولى، لأن الأصل في الحياة الزوجية السكن والمودة والرحمة، ولأن بناء الأسرة من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها، ولذلك امتلأت النصوص الشرعية بالتوجيه إلى الصبر، والإصلاح، والتغاضي عن الزلات، والنظر إلى محاسن الشريك قبل عيوبه. وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى العظيم بقوله: “لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر”، في إشارة إلى أن الأصل في الاستقرارَ فهو المبتغى، وأن الصبرَ والمصابرةَ والموازنةَ بين الحقوق والواجبات هي الطريقُ نحو البيت السعيد

ومع ذلك، فإن الإسلام وهو الدين الذي يدرك طبائع البشر وتقلبات النفوس، لم يجعل الزواج قيدًا أبديًا لا فكاك منه، ولم يحول الرابطة الزوجية إلى سجن يُجبر فيه الإنسان على البقاء مهما بلغت المعاناة، ولذلك شُرع الطلاق باعتباره مخرجًا أخيرًا عندما تستنفد وسائل الإصلاح، وتتعذر العشرة، وتتحول الحياة إلى عبء ثقيل على الطرفين. وفي هذا السياق جاء الوعد الإلهي المشرق: “وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ”، وكأن الآية تفتح نافذة أمل لمن أُغلقت في وجهه أبواب التوافق، وتؤكد أن نهاية علاقة فاشلة ليست بالضرورة نهاية الحياة.

لكن المشكلة لا تكمن في تشريع الطلاق ذاته، وإنما في النظرة الاجتماعية التي أحاطت به في كثير من البيئات حتى أصبح عند البعض أشبه بالعار الذي يجب الفرار منه بأي ثمن، حيث تتجلى هذه الأزمة بصورة أوضح في نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة، حيث تُعامل أحيانًا بوصفها صاحبة نقص أو صاحبة تجربة مشبوهة، بينما تتحول حالتها الاجتماعية إلى تهمة تلاحقها في المجالس والعلاقات.

ولا يتوقف الأمر عند المرأة نفسها، بل قد تمتد آثار هذه النظرة إلى أبنائها وبناتها، فينشأ بعضهم وهم يحملون شعورًا خفيًا بالحرج أو النقص بسبب انفصال والديهم، لا لذنب ارتكبوه، وإنما بسبب أحكام اجتماعية قاسية لا تستند إلى منطق ولا إلى هدي شرعي.

هذه الوصمة تجعل كثيرًا من النساء يترددن في اتخاذ قرار الانفصال حتى عندما تبلغ الحياة الزوجية مرحلة من الاستحالة النفسية أو الأخلاقية، خوفًا من نظرات المجتمع أكثر من خوفهن من استمرار المعاناة نفسها.

وفي الجانب الآخر، يظهر نوع آخر من التضييق يتمثل في تغليظ تبعات الطلاق بصورة تدفع بعض الأزواج إلى التمسك بعلاقة منهارة خشية ما يترتب على الانفصال من أعباء مالية ونزاعات قضائية طويلة ومشكلات لا تنتهي.

ولا شك أن حفظ حقوق الزوجة والأبناء واجب شرعي وأخلاقي لا يجوز التفريط فيه، لكن تحويل الطلاق إلى معركة استنزاف أو وسيلة للانتقام المتبادل يخلق بيئة مشحونة بالكراهية والخصومات، فحين يشعر أحد الطرفين أن الخروج من العلاقة سيقوده إلى سنوات من النزاع والإنهاك، قد يختار البقاء لا حبًا في الحياة المشتركة، بل هربًا من التبعات.

وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الزواج الذي يستمر بدافع المسؤولية والاحتساب والصبر شيء محمود، أما الزواج الذي يستمر فقط بسبب الخوف من العقوبات الاجتماعية أو المادية فشيء آخر مختلف تمامًا، فثمة فارق كبير بين من يصبر على بعض ما يكره ابتغاء مرضاة الله ورغبة في الحفاظ على أسرته، وبين من يبقى داخل علاقة استنزفت كل معاني الرحمة والمودة، ولم يعد يربطه بها إلا الخوف من العواقب الخارجية.

الصبر الأول عبادة عظيمة، وقد يكون سببًا في إصلاح النفوس وعودة المياه إلى مجاريها. أما البقاء القسري في بيئة يسودها الاحتقار والعداء والتوتر المستمر، فإنه كثيرًا ما يحول البيت إلى مساحة من الاحتقان الصامت.

ومن أخطر ما في هذا الاحتقان أنه لا يظهر دائمًا للناس. فقد يبدو المنزل مستقرًا من الخارج، بينما تخفي جدرانه نزاعات يومية، ومشاعر كراهية متراكمة، وجروحًا نفسية عميقة. إنها بيوت تشبه الرماد الذي يغطي نارًا كامنة، لا يُعرف متى تشتعل ولا إلى أي مدى تمتد ألسنتها.

ولعل جانبًا من جرائم العنف الأسري التي نسمع عنها بين الحين والآخر، وبعض حالات القتل بين الأزواج، فضلًا عن الاضطرابات النفسية التي تصيب الأبناء، يرتبط بهذا النوع من العلاقات التي استمرت شكلًا بعد أن ماتت روحها ومقاصدها.

إن مسؤولية المجتمع لا ينبغي أن تكون في منع الطلاق مطلقًا، وإنما في تقليل أسبابه والسعي الجاد إلى الإصلاح قبل وقوعه. فكل جهد يُبذل لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر وحماية الأسرة هو جهد محمود ومطلوب.

لكن إذا استنفدت وسائل الإصلاح، وتعذرت العشرة، وأصبحت الحياة المشتركة مصدر أذى دائم للطرفين وللأبناء، فإن الحكمة تقتضي الانتقال إلى الحل الأخير الذي أباحه الشرع. وعندها ينبغي أن يكون الفراق فراقًا كريمًا، بلا انتقام، ولا تشويه، ولا حرمان من الأبناء، ولا تحويل المحاكم إلى ساحات ثأر.

فالأسرة لا يحميها مجرد استمرار عقد الزواج، وإنما تحميها الرحمة التي يقوم عليها ذلك العقد. وإذا غابت الرحمة تمامًا، وأصبح البقاء بابًا لمزيد من الأذى، فإن الفراق بإحسان قد يكون أحيانًا أقرب إلى مقاصد الشريعة من اجتماعٍ لا يورث إلا الخصومة والضرر.

ومن هنا يبقى الوعد القرآني شاهدًا على رحمة الله بعباده: “وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ”؛ فليست كل نهاية خسارة، وليست كل مفارقة هدمًا، بل قد يكون في بعض الفراق بداية لحياة أكثر سكينة وعدلًا وطمأنينة.

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
أزمة الخطاب الديني في العصر الحديث.. قراءة نقدية مقاصدية
لم يعد الخطاب الديني في عصرنا مجرد وسيلة لنقل الأحكام أو تفسير النصوص، بل أصبح فاعلاً مركزياً في تشكيل...
المزيد »
فقه المعاملات..شريعة وسعت الحياة 
كثيرًا ما يُختزل الحديث عن الفقه الإسلامي في أذهان البعض داخل دائرة العبادات والشعائر، بينما يغيب عنهم...
المزيد »
دعوة الإسلام إلى التراحم
الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن...
المزيد »
 بين واجب التنوير وخطر الترويج
الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا...
المزيد »
آلات العلم
لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله،...
المزيد »
الهوية الإسلامية.. حصن الموروث ودرع الوعي 
 الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها...
المزيد »
 الخطاب الديني في عصر التحول الرقمي: بين الثبات والتجديد
لم يعد الخطاب الديني اليوم معزولًا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التحول الرقمي الذي...
المزيد »
استعارة الحكمة من غير موضعها
لا يمكن أن يبقى القول حبيس سياقه، ولا الفكرة أسيرة بيئتها الأولى، بل إن العبارات تُقتطع من جذورها، وتُتداول...
المزيد »
تسييس العقائد
لم يكن الخلاف العقدي في تاريخ المسلمين، في جوهره، ساحة صراع وجودي بقدر ما كان ميدانًا لاجتهادات علمية...
المزيد »
دولة المقامات
في السنوات الأخيرة، أخذ مشهد التلاوة القرآنية يتبدّل على مهل، لا بضجيجٍ ظاهر، بل بانزياحٍ خفيٍّ في الذائقة،...
المزيد »
دندنة حول الخلافات الزوجية في بيوت أهل العلم
مما لا شك فيه أن بيوت العلماء عُرْضَة لكل ما يعتري البشر من صحَّة وسَقَم ... وتعافي ومرض .... ولسنا...
المزيد »
مرتكزات منهج التيسير في الشريعة الإسلامية
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضد الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص،...
المزيد »
الإسلام دين السلام
الحديث عن السلام في الإسلام أكبر من يختصر في مقالة، فالإسلام دين السلام ودين الرحمة، ومما لا شك فيه ولا...
المزيد »
فقد أعظم على الله الفرية
كنت أتخيل أننا وصلنا لدرجة من الوعي تجعلنا أكثر حرصا على التمسك بثوابتنا  وكنت أحسب أن زمن التأثير علينا...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك

مقالات قد تهمك

تسريح بإحسان
المرونة

فقه المعاملات..شريعة وسعت الحياة 

كثيرًا ما يُختزل الحديث عن الفقه الإسلامي في أذهان البعض داخل دائرة العبادات والشعائر، بينما يغيب عنهم أن جانبًا عظيمًا من هذا الفقه إنما وُضع لتنظيم حركة الحياة نفسها؛ لتنظيم الأسواق، وضبط البيوع، وصيانة الحقوق، وتحقيق التوازن بين مصلحة الفرد والجماعة. ومن هنا كان فقه المعاملات واحدًا من أكثر الأبواب الفقهية اتصالًا بواقع الناس، وأكثرها احتياجًا إلى الفهم العميق الذي يجمع بين النص وروح التشريع، وبين الثبات الشرعي ومتغيرات الحياة.

Read More »
دعوة الإسلام إلى التراحم
الإمام مسلم

دعوة الإسلام إلى التراحم

الرحمة صفة من صفات الله تعالى، وهي من الأخلاق القرآنية العظيمة التي كانت لها العناية الكبرى في القرآن الكريم من حيث ذكرها، لما لها من عظيمِ الأثرِ في الحياة الدينية والدنيوية.

Read More »
تسريح بإحسان
الانحراف

 بين واجب التنوير وخطر الترويج

الإصرار على نشر تفاصيل الجرائم الأخلاقية، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياء العام أو تخدش الفطرة السليمة، لا يقف عند حدود “نقل الخبر”، بل يتجاوزه – في كثير من الأحيان – إلى إعادة إنتاجه في وعي الناس، فالإفراط في تداول الفاحشة، ووصفها بتفاصيلها، وتكرار عرضها في سياقات مختلفة، يؤدي إلى تطبيعها نفسيًا، حتى وإن كان ظاهر الطرح يحمل نبرة الاستنكار، ذلك أن النفس البشرية تألف ما يتكرر أمامها، وتعتاد ما يُعرض عليها بكثافة، فيضعف شعور الصدمة، وتخبو جذوة الرفض.

Read More »
آلات العلم
الإمام الغزالي

آلات العلم

لا ينبغي أن تختلط عليك الأمور، فلو رأيت عالما أو غيره يخالف الشرع، فلا اعتبار لمخالفته، ولا اتباع لقوله، وإنما الواجب عليك رفض فعله، ونبذ قوله، واتباع شرع الله تعالى فالحق أحق أن يتبع.

Read More »
تسريح بإحسان
الموروث

الهوية الإسلامية.. حصن الموروث ودرع الوعي 

 الهوية الإسلامية نسيج متكامل تتشابك فيه العقيدة مع السلوك، والتاريخ مع الحاضر، والقيم مع المظاهر. إنها الروح التي تحفظ للأمة توازنها، وتحمي ذاكرتها من التآكل، وتصون موروثها من الذوبان في تيارات العولمة الجارفة. وإذا كانت الأمم تُقاس بمدى تمسكها بجذورها، فإن الأمة الإسلامية إنما تستمد قوتها من رسوخ هويتها التي صنعت حضارتها ووجّهت مسيرتها عبر القرون.

Read More »