![]()
كتاب في البوسنة يبحث فهم القرآن بين التراث وأسئلة العصر
صدر في البوسنة والهرسك كتاب جماعي بعنوان “فهم كلمة الله: المناهج التقليدية والمعاصرة في تفسير القرآن”، في إصدار علمي يضم أبحاثا ودراسات لعدد من أبرز العلماء والأساتذة والباحثين في الفكر الإسلامي بالبلاد.
ويقدم الكتاب نموذجا للعمل العلمي الذي يمكن للمؤسسات الإسلامية المحلية القيام به، من خلال تحويل اللقاءات والحوارات العلمية إلى مشروعات معرفية موثقة، تبدأ بمناقشة قضية محددة، ثم تتطور إلى أبحاث ودراسات يجري جمعها ومراجعتها وإخراجها في إصدار متاح للعلماء والباحثين والأجيال الجديدة.
ثمرة مائدة علمية في بيهاتش
وجاء إصدار الكتاب ثمرة للمائدة المستديرة التي عقدت في مدينة بيهاتش يوم 5 نوفمبر 2025، وخصصت لمناقشة قضايا فهم القرآن وتفسيره وقراءته في ضوء الأسئلة والتحديات التي يفرضها العصر.
وشكلت المائدة فرصة لالتقاء نخبة من العلماء والباحثين وتبادل الرؤى حول مناهج التعامل مع النص القرآني، قبل أن تتحول المناقشات والأوراق العلمية التي قدمت خلالها إلى مادة موثقة في كتاب يجمع بين الطرح العلمي والتأمل في قضايا التفسير.
ويكشف هذا المسار عن محاولة للانتقال بالفعاليات العلمية من كونها لقاءات مؤقتة إلى إنتاج معرفي يبقى متاحا أمام الباحثين والمهتمين بالدراسات القرآنية، بما يضيف إلى المكتبة الإسلامية في البوسنة والهرسك.
سبعة باحثين يقدمون رؤاهم
ويضم الكتاب أبحاث الأكاديمي الأستاذ الدكتور أنس كاريتش، والأستاذ زياد ليفاكوفيتش، والدكتور سياد سيلجوبتس، والحافظ الأستاذ الدكتور صفوت حليلوفيتش، والحافظ الأستاذ الدكتور ريفيت شاهينوفيتش، والأستاذ الدكتور ألمير فاتييتش، إلى جانب دراسة لمفتي بيهاتش الحافظ محمد أفندي كوديتش.
وتتناول الدراسات مجموعة من القضايا الأساسية المرتبطة بعلم التفسير، إلى جانب مناهج تأويلية تبحث في إمكان الجمع بين ما قدمه التراث الإسلامي من مناهج وأدوات وبين متطلبات العصر وأسئلته المتجددة في فهم القرآن.
كما يتطرق الكتاب إلى موضوع ترجمة وتفسير بعض أجزاء القرآن في السياق البوسني، بما يسلط الضوء على طبيعة التعامل مع النص القرآني في بيئة ثقافية ولغوية مختلفة، وعلى الجهود العلمية الرامية إلى تقديم معانيه بصورة تساعد القارئ على فهمها.
القرآن وأسئلة الإنسان المعاصر
وأكد مفتي بيهاتش الحافظ محمد أفندي كوديتش أن القرآن رسالة إلهية لا يحدها زمان أو مكان أو جيل، موضحا أن التجديد لا يعني تكييف القرآن مع العصر، وإنما السعي إلى فهم رسالته بصورة أفضل في ضوء أسئلة الإنسان وتحديات الزمن واحتياجاته.
ويضع هذا الطرح قضية التجديد في التفسير ضمن إطار يرتبط بتطوير أدوات الفهم والبحث، دون اعتبار ذلك تغييرا في مضمون الرسالة القرآنية، وهو ما يعكس جانبا من النقاشات التي تناولتها المائدة العلمية وأبحاث الكتاب.
التراث في مواجهة التحديات الفكرية
وأوضح رئيس تحرير الكتاب الدكتور حارث ولادجيتش أن الحاجة إلى تناول قضايا تفسير القرآن من منظور التراث الإسلامي، مع بحثها في سياق التحديات الفكرية والاجتماعية المعاصرة، كانت من الدوافع الرئيسية لتنظيم المائدة المستديرة وإعداد الكتاب.
ويجمع الإصدار بذلك بين دراسة المناهج التفسيرية الموروثة ومحاولة قراءتها في ضوء الأسئلة التي يطرحها الواقع المعاصر، بما يفتح مساحة للحوار العلمي حول كيفية الاستفادة من التراث في التعامل مع قضايا الإنسان والمجتمع اليوم.
من الحوار إلى كتاب موثق
ولا تتوقف أهمية المشروع عند عقد المائدة المستديرة أو تقديم الأبحاث خلالها، وإنما تمتد إلى توثيق مخرجاتها في كتاب يمكن الرجوع إليه والاستفادة منه في الأبحاث والدراسات اللاحقة.
ويبرز الكتاب من خلال هذه التجربة مسارا متكاملا للعمل العلمي يبدأ بطرح السؤال، ثم البحث والدراسة، ويمر بالحوار والمناقشة، وينتهي بالتوثيق والنشر. ويمنح هذا المسار الأفكار التي تطرح في الفعاليات العلمية فرصة للاستمرار والوصول إلى جمهور أوسع من العلماء والباحثين والمهتمين بالدراسات القرآنية.
ويأتي الإصدار في سياق الجهود الرامية إلى إثراء البحث الإسلامي في البوسنة والهرسك، وإتاحة دراسات تتناول القرآن وعلومه من زوايا تجمع بين الاستفادة من التراث والانفتاح على الأسئلة الفكرية والاجتماعية التي يفرضها الواقع المعاصر.



