التفسير بالتدبر..

دعوات شيطانية لفهم القرآن بمعزل عن التراث

لو رُفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علما ضروريّا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والألم والحب والخوف- أنه من عند الله، تكلم به حقًّا، وبَلَّغه رسولُه جبريل...
التفسير بالتدبر..

التفسير بالتدبر..

دعوات شيطانية لفهم القرآن بمعزل عن التراث

انتشر مؤخرا بعض من يسمون أنفسهم بالتنويرين وزعموا تفسيرات غريبة للقرآن الكريم وفق منهج شاذ شيطاني لا يزيدهم إلا ضلالا.
حول هؤلا يقول دكتور أحمد الطباخ خرج علينا هؤلاء الذين يدعون الناس إلى تدبر القران بمعزل عن تفاسير السابقين وشنوا هجومهم الشنيع على أصحاب التراث وما لف لفهم ودار في فلكهم ويقومون بلي عنق النصوص ليا عجيبا بل وصل بهم التدليس أنهم يقتطعون نصوص الآيات من سياقها ويخضعونها لفكرهم السقيم ووفق أهوائهم وقد ضل سعيهم في ذلك لأن التدبر ليس كما يريدون وإنما هو فهم من خلال سياق الآية والعمل بمقتضى ما فهم وليس التفلسف والسفسطة التي لا طائل من ورائها ولا فائدة ترجى من عواقبها .
وخذ مثالا على شططهم وضلال سعيهم وفساد منطقهم وعقولهم عندما قال الله سبحانه: ” مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا * وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا * أَفَلَا يَتدبّرونَ الْقرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ”
النساء/ 80 – 83.
فمن أسباب الضلال ترك تدبر آيات الله ، وقد ذكر الله سبحانه وجوب طاعة الله ورسوله ، ثم ذكر أحوال الذين تركوا تلك الطاعة ، وابتعدوا وذكر أن من أسباب بعدهم وضلالهم: تركهم التفكر والتدبر في آيات القرآن، والنظر في توجيهاته وإرشاداته، وترك التأمل والتحقيق.
وهنا سؤال افترضه “الراغب”: “إن قيل: ما وجه تعلُق هذه الآية بما تقدَّم؟
قيل : لمّا ذكر فيما تقدّم أحوال الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويتركون كتاب الله ورسوله، ويقاتلون في سبيل الطاغوت ، وذكر الذين يخشون الناس ، ومقالهم فيما نالهم من حسنة أو سيئة ومخالفتهم في الطاعة ، وكان كل ذلك منهم – لقلة تأمّلهم كتاب الله ، وتقديرهم أن ما أمروا به في ثاني الحال، من القتال مناقض لما أمر به قبل ، من كفّ اليد وغير ذلك، بما يختلف لاختلاف الأحوال ، فنبههم الله تعالى في هذه الآية: أن كل ذلك لقلة تدبرهم، وأنهم لو تدبّروا: لعلموا أن ذلك حق نزل عليهم من الله، كما قال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)” انتهى من “تفسير الراغب” (3/ 1351).
وجاء مفسر آخر فكيف تناول الآية في سياقها ، يقول الرازي: “اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم ، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة ، صادقا فيه ، بل كانوا يعتقدون أنه مفترٍ متخرصٌ؛ فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ، ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته. فقال: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )” انتهى من “مفاتيح الغيب” (10/151).
وأما ابن كثير فقال : يقول تعالى آمرا عباده بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تضاد ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق؛ ولهذا قال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن [أم على قلوب أقفالها] [محمد: 24]، ثم قال: ولو كان من عند غير الله أي: لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافا كثيرا أي: اضطرابا وتضادا كثيرا. أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله. كما قال تعالى مخبرا عن الراسخين في العلم، حيث قالوا: آمنا به كل من عند ربنا [آل عمران:7] أي: محكمه ومتشابهه حق؛ فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه، فغوُوا؛ ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين” انتهى من “تفسير ابن كثير” (2/ 364).
والتدبر ليس عملية غائية وليس وسيلة للعمل بما فهم وان تثمر ثمارا إيمانية يانعة ، فمن ثمرات تدبر القرآن كما قال ابن القيم: “.. ندب الله – عز وجل – عباده إلى تدبر القرآن؛ فإن كل من تدبره أوجب له تدبرُهُ علمًا ضروريًّا، ويقينًا جازمًا: أنه حق وصدق، بل أَحَقُّ كُلّ حق، وأصدق كل صدق، وأن الذي جاء به: أصدق خلق الله، وأبَرُّهم، وأكملهم علمًا وعملًا ومعرفة؛ كما قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء: 82)، وقال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (محمد: 24).
فلو رُفعت الأقفال عن القلوب: لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًّا- يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والألم والحب والخوف- أنه من عند الله، تكلم به حقًّا، وبَلَّغه رسولُه جبريل عنه إلى رسوله محمد، فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد، وبه احتج هرقل على أبي سفيان، حيث قال له: فهل يرتد أحد منهم سَخْطَة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا! فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوتهُ بشَاشَةَ القلوب لا يَسْخَطه أحد.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (العنكبوت: 49)، وقوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ (الحج: 54)، وقوله: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (سبأ: 6)، وقوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (الرعد: 19)، وقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (الرعد: 27).
يعني: أن الآية التي يقترحونها لا تُوجِب هداية، بل الله هو الذي يهدي ويُضِل. ثم نَبَّهَهُمْ على أعظم آية وأَجَلِّها وهي طمأنينة في قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله، فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ (الرعد: 28)؛ أي: بكتابه وكلامه، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ؛ فطمأنينة القلوب الصحيحة، والفطر السليمة به، وسكونها إليه من أعظم الآيات؛ إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل”، انتهى من “مدارج السالكين” (3/ 471).
فكما قرأت وتدبرت ازددت إيمانا ويقينا بأنه الحق من الله والنور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يستحق الطاعة والولاء له في كل ما أمر به ونهي ولا يفضي به التأمل إلى الطعن في سنته المطهرة التي جاءت مفصلة ومبينة لآيات القرآن الكريم فهما وحيان من الله جاءا من مشكاة نورانية واحدة

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك