![]()
الأيام المعلومات والمعدودات..
التكبير تاجُ الذكر في هذا الموسم
الأيام المعلومات والمعدودات..
التكبير تاجُ الذكر في هذا الموسم
لم يتحدّث الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن أيام ذي الحجة مرّةً واحدة بل مرّتين، وفي كلٍّ منهما دعوةٌ صريحة وأمرٌ مباشر؛ وكأنّ هذا التكرارَ نفسَه رسالةٌ قبل أن يكون توجيهاً: هذه الأيامُ جديرةٌ بأن تُذكَر مرّتين، وجديرةٌ بأن يُكرَّر فيها ما شُرعت له.
موضعان في القرآن لأيامٍ بعينها
جاء الموضع الأوّل في سورة الحج، حين تحدّث الله عن موسم الحجّ ومنافعه العظيمة، فقال جلّ شأنه:
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ
سورة الحج، الآية 28
وجاء الموضع الثاني في سورة البقرة، في سياق أحكام الحجّ، إذ قال تعالى:
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ
سورة البقرة، الآية 203
وقد اعتنى أهل العلم بتحديد المقصود بهاتين التسميتين، وإن تعدّدت أقوالهم، فإنّ أظهرها وأرسخها أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، تلك الأيام التي أقسم الله بها في فاتحة سورة الفجر، وشهد لها النبيُّ ﷺ بأنها أفضل أيام الدنيا. أمّا الأيام المعدودات فهي أيام التشريق الثلاثة، الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، تلك الأيام التي وصفها النبيُّ ﷺ بأنها أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله.
الموضع الأول — سورة الحج
الأيام المعلومات
عشر ذي الحجة، من الأول حتى العاشر
الموضع الثاني — سورة البقرة
الأيام المعدودات
أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر
وظيفةٌ واحدة لأيامٍ ثلاثة عشر
ما الذي يربط هذين الموضعين ببعضهما؟ ما الخيطُ الذي ينظم هذه الأيام كلّها في عقدٍ واحد؟ إنّه الذكر. ذكرُ الله تعالى. لم يقل سبحانه في الأيام المعلومات: صوموا، ولم يقل في الأيام المعدودات: تعبّدوا. بل جعل في الموضعين وظيفةً واحدة، وشعاراً واحداً، وهو ذكرُ اسمه جلّ وعلا. وكأنّ هذا الثباتَ الإلهي في التوجيه إشارةٌ إلى أنّ الذكرَ ليس عبادةً من العبادات، بل هو روحُ كلّ عبادة والغايةُ منها.
ولعلّ الله تعالى جعل الذكرَ وظيفةَ هذه الأيام تحديداً مشاركةً للحجّاج في أبرز شعائرهم؛ إذ إنّ أكثرَ عباداتهم قائمةٌ على الذكر، من التلبية التي تملأ الفضاء، إلى التكبير عند رمي الجمرات، إلى الدعاء على الصفا والمروة وعرفة والمزدلفة. فبينما الحاجُّ يُلبّي ويُكبّر، يُشاركه المسلمُ في بيته وفي سوقه وفي طريقه بالتكبير والتهليل والتحميد، ويكون من ثمرات الحجّ أن يرتفع ذكرُ الله في مشارق الأرض ومغاربها معاً.
التكبير.. تاجُ الذكر في هذا الموسم
وإذا كان الذكرُ هو وظيفة هذه الأيام، فإنّ التكبيرَ هو رأسُ الذكر فيها وشعارُه الأبرز. وقد كان السلفُ الصالح يُحيون هذا الشعارَ إحياءً يملأ الأسواق والبيوت والمساجد والطرقات، حتى رُوي عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيُكبّران ويُكبّر الناسُ بتكبيرهما. وللتكبير في هذا الموسم صورتان متمايزتان لكلٍّ منهما زمانُها ومكانُها.
أمّا الصورة الأولى فهي التكبيرُ المطلق، غيرُ المقيّد بأعقاب الصلوات، وهو الذي يُستحبّ في كلّ وقت وحين، في ليل العشر ونهارها، في المسجد والسوق وسائر الأحوال. ومن صيغه المأثورة: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وأمّا الصورة الثانية فهي التكبيرُ المقيّد بأعقاب الصلوات المكتوبات، ويبدأ من فجر يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، ويمتدّ حتى عصر آخر أيام التشريق الثالث عشر منه، ليكون ختامَ هذا الموسم المبارك وخاتمةَ عطائه الروحي.
الذكرُ.. المقصدُ الأعظم من كلّ شريعة
وما شُرعت شريعةٌ ولا نُسك منسك إلّا لغايةٍ سامية تعلو على صورته الظاهرة، تلك الغايةُ هي إقامةُ ذكر الله في القلوب والأوقات والأمكنة. وقد أفصح الله تعالى عن هذا المقصد إفصاحاً جليّاً في قوله: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. فالصلاةُ بكلّ ما فيها من قيامٍ وركوعٍ وسجود وتلاوة؛ هي في حقيقتها ذكرٌ لله. والحجُّ بطوافه وسعيه ووقوفه وتلبيته؛ هو في جوهره ذكرٌ لله. حتى النحرَ والذبح الذي يبدو في ظاهره طقساً مادياً؛ مشروطٌ بذكر اسم الله عليه، لأنّ المقصودَ منه تعظيمُ الله لا الإطعامُ وحده.
وذكرُ الله على هذا الفهم العميق ثلاثةُ أنواع متكاملة لا يغني أحدُها عن الآخر: ذكرٌ باللسان وهو التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، وذكرٌ بالجَنان وهو حضورُ القلب ومعرفةُ الله ومراقبتُه في السرّ والعلن، وذكرٌ بالجوارح والأركان وهو أن تكون أعمالُ البدن كلّها عبادةً لله وطاعةً له. فمن جمع هذه الأنواعَ الثلاثة في موسم العشر وأيام التشريق، فقد أدرك سرَّ هذه الأيام وبلغ روحَها.



