«بِغَيْرِ الْحَقِّ»..

قيدٌ بلاغي يزيد الجريمةَ بشاعة

الغاية الأولى من هذا القيد البلاغي ليست الإخبار بأن قتل الأنبياء وقع بغير حق، فهذا أمر يعرفه كل عاقل، بل الغاية هي تصوير هذه الجريمة في أشد صورها قتامةً وفظاعة. فحين يُقال "بِغَيْرِ الْحَقِّ" فإن...
«بِغَيْرِ الْحَقِّ»..

«بِغَيْرِ الْحَقِّ»..

قيدٌ بلاغي يزيد الجريمةَ بشاعة

قال الله تعالى: “وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ” [البقرة: 61].

سؤال يطرحه العقل ويجيب عنه البيان

ربما وقف القارئ المتأمل عند قوله تعالى: “وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ” وقفةَ المستشكل المتساءل: وهل يكون قتل الأنبياء إلا بغير الحق؟ أليس هذا القيد تحصيلاً للحاصل وتقييداً لما لا يحتاج إلى تقييد؟ وهو سؤال وجيه في ظاهره، بيد أن القرآن الكريم لا يُسرف في الألفاظ ولا يأتي بما لا فائدة فيه، فكل كلمة فيه مبنيّةٌ على حكمة، وكل قيد موضوع في موضعه بميزان دقيق لا تختل كفتاه. والجواب عن هذا الإشكال يفتح أمام المتدبر آفاقاً من الأسرار البلاغية التي تكشف عن عمق الخطاب القرآني وسموّ مقاصده.

القيد لا ينفي ما سواه بل يؤكد ما فيه

الأصل في القيود اللغوية أنها تُخرج ما عداها، فحين يُقال “أخذتُ المال بحق” يُفهم منه أن ثمة أخذاً بغير حق يمكن أن يقع. غير أن علماء البلاغة والتفسير قرّروا أن من القيود ما يأتي لا لإخراج حالة مقابلة، بل لتكثيف الدلالة وتعميق الصورة في ذهن المتلقي. وقوله تعالى “بِغَيْرِ الْحَقِّ” هنا من هذا الباب تماماً، إذ لا توجد في الوجود حالةٌ يكون فيها قتل نبي من الأنبياء حقاً مشروعاً أو مسوَّغاً بأي اعتبار، فالأنبياء مصونون بعصمة الله وحفظه، وقتلهم باطل محرّم تحريماً قاطعاً في كل شريعة وكل زمان. وقد أشار المفسرون إلى نظائر هذا الأسلوب في القرآن نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، فالبرهان على وجود إله آخر مستحيل عقلاً وشرعاً، لكن القرآن ذكره ليُقرّر أن هذا الفعل خالٍ من كل سند وكل حجة، وليدفع المتلقي إلى التفكر في انعدام المسوّغ.

في القيد تصوير للجريمة لا تعريف لها

الغاية الأولى من هذا القيد البلاغي ليست الإخبار بأن قتل الأنبياء وقع بغير حق، فهذا أمر يعرفه كل عاقل، بل الغاية هي تصوير هذه الجريمة في أشد صورها قتامةً وفظاعة. فحين يُقال “بِغَيْرِ الْحَقِّ” فإن المعنى يتجاوز مجرد التوصيف إلى التشنيع والتقبيح، وكأن الآية تقول: لم يكن لهم في هذا القتل شبهة حق يتذرعون بها، ولا تأويل باطل يلتمسون وراءه مخرجاً، بل كان فعلهم عدواناً صريحاً وطغياناً مكشوفاً، أقدموا عليه وهم يعلمون تمام العلم أنهم يقتلون من اصطفاهم الله ورفعهم. وفي هذا المعنى تفضيحٌ لنفسيّة القاتل قبل أن يكون وصفاً للجريمة، إذ يكشف أن الدافع لم يكن جهلاً ولا تأويلاً خاطئاً، بل كان هوىً وعناداً وتجرؤاً متعمداً على حرمات الله.

إشارة إلى الباعث.. الهوى لا الحجة

يحمل القيد دلالةً ثالثة لا تقل أهمية عمّا سبق، وهي أن هذه الجريمة لم تقم على شريعة ولا استندت إلى حجة، بل كانت وليدة الهوى والعناد والكبر. فبنو إسرائيل حين قتلوا أنبياءهم لم يفعلوا ذلك لأنهم توهموا أن لهم في ذلك حقاً، ولم يكن خطأً في الاجتهاد أو قصوراً في الفهم، بل كان مخالفةً صريحة لما يعرفونه في قرارة أنفسهم من الحق الواضح الجليّ. وهذا هو الذي يجعل الغضب الإلهي عليهم في الآية مضاعفاً موصوفاً بالثبات والاستمرار، فالمعصية التي يرتكبها الإنسان وهو يعلم أنها معصية، ثم لا يجد في نفسه ما يردعه عنها، أشد وطأةً وأعظم إثماً عند الله من الزلة التي تأتي عن جهل أو ضعف، وهذا ما أراد القرآن أن يُقرّره في هذه الآية بكل قوة وجلاء.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك