![]()
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
موقف عالم جسّد عزة العلماء أمام سلطان القوة
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
موقف عالم جسّد عزة العلماء أمام سلطان القوة
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن من دخول مدينة دمشق بعد انتصارات متتالية، وسط مظاهر القوة والنفوذ التي أحاطت به، وقد عُرف إبراهيم باشا بالشدة والاعتداد بسلطانه، وكان دخوله المدينة أشبه بموكب المنتصر الذي اعتاد أن يرى الجميع يقفون إجلالًا لمقامه.
وفي الوقت ذاته، كانت حلقات العلم عامرة في الجامع الأموي، حيث يجلس الشيخ سعيد الحلبي بين طلابه، يعلّمهم الفقه وأصول الدين، ويغرس في نفوسهم معاني العلم والخلق والاستقامة.
شيخ ثابت أمام مظاهر الجبروت
كان الشيخ سعيد يلقي درسه بهدوء ووقار، وقد مدّ رجليه في جلسته المعتادة دون أن يشغله عن العلم ما يدور حوله من مظاهر السلطة.
وعندما دخل إبراهيم باشا المسجد تحيط به حاشيته وجنوده، أخذ أعوانه يأمرون الناس بالوقوف تعظيما للقائد، فاستجاب الحاضرون لذلك، إلا أن الشيخ بقي في مكانه، لم يغيّر هيئته، ولم يقطع درسه، ولم يبدِ اهتماما بالمشهد.
لفت هذا الموقف انتباه إبراهيم باشا، فأثار غضبه، لكنه آثر أن يغادر المسجد دون أن يتخذ إجراء في تلك اللحظة، بينما بقيت صورة الشيخ الراسخ في مكانه حاضرة في ذهنه.
محاولة للانتقام
عقب عودته إلى مقر إقامته، التف حول إبراهيم باشا عدد من المقربين الذين أخذوا يؤججون غضبه، وصوروا له أن بقاء الشيخ دون عقاب يمس هيبة السلطة ويشجع الآخرين على التمرد.
وفكر الباشا في استدعاء الشيخ ومعاقبته، لكنه سرعان ما أدرك أن الإقدام على إيذاء عالم يحظى بمكانة كبيرة بين أهل دمشق قد يثير اضطرابات هو في غنى عنها، فتراجع عن فكرة العقوبة المباشرة.
المال وسيلة لإسقاط المكانة
بدلا من استخدام القوة، لجأ إبراهيم باشا إلى أسلوب آخر ظن أنه أكثر تأثيرا. فقد رأى أن المال قد يحقق ما لم تحققه التهديدات، فإذا قبل الشيخ عطية الحاكم ضعفت منزلته في أعين الناس، وأصبح أقرب إلى رجال السلطة من كونه عالما مستقلا.
لذلك أمر بإرسال ألف ليرة ذهبية إلى الشيخ، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك العصر، وكلف أحد وزرائه بتسليمها إليه على مرأى من تلاميذه، حتى يكون قبولها – إن حدث – علنيًا أمام الجميع.
كلمة صنعت الخلود
وصل الوزير إلى الجامع الأموي، حيث كان الشيخ يواصل درسه كعادته، ثم تقدم إليه وقال بصوت يسمعه الحاضرون:
“هذه ألف ليرة ذهبية، يبعث بها مولانا الباشا لتستعين بها على شؤونك.”
رفع الشيخ رأسه في هدوء، ونظر إلى الوزير نظرة ملؤها الوقار، ثم قال كلمات قليلة، لكنها حملت معاني العزة والاستغناء:
“خذ مال سيدك، وأعده إليه، وقل له: إن الذي يمد رجله، لا يمد يده.”
درس في عزة النفس واستقلال العلماء
تحولت هذه العبارة إلى رمز لعزة النفس واستقلال العالم عن أصحاب السلطان، وأصبحت تُروى بوصفها مثالًا على أن العلم يمنح صاحبه مكانة لا تُشترى بالمال، وأن من عاش كريم النفس، مستغنيًا بعلمه ومبادئه، لا يجعل من عطايا الحكام وسيلة للتأثير في مواقفه أو الانتقاص من رسالته.
وتبقى هذه القصة شاهدًا على أن قوة العالم لا تكمن في المال أو النفوذ، وإنما في ثباته على الحق، وصيانة كرامته، واستقلال كلمته، وهي قيم صنعت مكانة العلماء في نفوس الناس عبر مختلف العصور.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إبراهيم باشا, الجامع الأموي, الشام, الشيخ سعيد الحلبي, محمد علي باشا



