مراعاة الأولويات..

الوصول إلى غاية الحكم بغير تعطيل أو إبطال

حين يُقعّد العلماء لمسألة مراعاة الأولويّات في الفقه الإسلامي، فإنّهم لا يتحدّثون عن رفاهيّة فكريّة يتأنّق فيها المترفون من أهل النظر، ولا عن ترتيبٍ تجميليٍّ يُحسّن شكل الفتوى دون أن يمسّ جوهرها...
مراعاة الأولويات..

مراعاة الأولويات..

الوصول إلى غاية الحكم بغير تعطيل أو إبطال

حين يُقعّد العلماء لمسألة مراعاة الأولويّات في الفقه الإسلامي، فإنّهم لا يتحدّثون عن رفاهيّة فكريّة يتأنّق فيها المترفون من أهل النظر، ولا عن ترتيبٍ تجميليٍّ يُحسّن شكل الفتوى دون أن يمسّ جوهرها. بل إنّهم يتحدّثون عن ضرورةٍ منهجيّة تتعلّق بصميم تحقيق مراد الشارع، ذلك المراد الذي لا يكفي في تحقيقه أن تُؤدَّى الأحكام ناقصةً أو منكوسةً أو مُؤجَّلةً إلى غير حين. فالحكم الشرعي لم يُشرَّع ليُقال إنّه موجود، بل شُرِّع ليُحقِّق غايتَه في الواقع تحقيقاً أمثل، وهذا التحقيق الأمثل لا يكون إلّا بمراعاة الأولويّات التي تضعه في مكانه الصحيح، وتُقدِّم ما ينبغي تقديمه وتُؤخِّر ما ينبغي تأخيره دون أن تُعطِّل شيئاً أو تلتفّ على شيء.
والخطأ الأكثر شيوعاً في فهم هذه المسألة هو أن يُظنَّ أنّ مراعاة الأولويّات معناها التخلّي عن بعض الأحكام أو الاعتذار عنها أو إيداعها رفوف النسيان تحت شعار أنّ “ثمّة ما هو أهمّ”. وهذا الفهم مغلوطٌ من أساسه، لأنّ مراعاة الأولويّات لا تعني التخلّي بل تعني الترتيب، ولا تعني الإسقاط بل تعني التنظيم، ولا تعني الالتفاف على الحكم بل تعني إيصاله إلى غايته بأحسن الطرق وأقومها.

الشريعة بنيانٌ متكامل والأحكام مراتب

إنّ الشريعة الإسلاميّة لم تأتِ كتلةً صمّاء متجانسة لا يتفاوت فيها شيء، بل جاءت بنيانَاً متكاملاً تتفاوت فيه الأحكام من حيث الأهميّة والأثر، وتتدرّج فيه المقاصد من ضروريّاتٍ لا قيام للحياة بدونها، إلى حاجيّاتٍ تُيسِّر مسيرتها وتُقيم اعوجاجها، إلى تحسينيّاتٍ تُجمِّل صورتها وتُرفِّع مستواها. وهذا التدرّج ليس من باب التقليل من شأن أيّ مرتبة، بل هو من باب إدراك أنّ البناء لا يقوم إلّا بأساسه أوّلاً، ثمّ جدرانه، ثمّ سقفه وزخرفته. فمن بدأ بالزخرفة وأهمل الأساس لم يبنِ شيئاً، ومن ظنّ أنّ التسوية بين الأساس والزخرفة عدلٌ فقد أخطأ فهم البناء ذاته.
وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أستاذاً لا يُجارَى في تعليم هذا المبدأ. فحين وفد معاذٌ رضي الله عنه إلى اليمن، بدأه بالتوحيد قبل الصلاة وبالصلاة قبل الزكاة، لأنّه يعلم أنّ ترتيب الأولويّات في التعليم والتربية والدعوة ليس خياراً شخصيّاً بل هو منهجٌ وحيٌّ. وحين نهى عن هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم، لم يكن ذلك تخلّياً عن الأَولى، بل كان تأخيراً له حتّى تتهيّأ البيئة التي يُؤتي فيها ثمارَه دون أن يُحدث فتنةً تذهب بالمصلحة كلّها.

التعطيل والالتفاف.. وجهان لعملةٍ واحدة

ولو أردنا أن نضع أمامنا الخطأين اللذين تحذّر منهما مراعاةُ الأولويّات، لوجدنا أنّهما على طرفَي نقيض ظاهراً، غير أنّهما يشتركان في النتيجة ذاتها وهي إخفاق الحكم الشرعي في بلوغ مراده.
الخطأ الأوّل هو التعطيل، وهو أن يُتركَ الحكمُ الشرعيّ معلَّقاً لا يُطبَّق بحجّة أنّ الظروف لا تُساعد أو أنّ المجتمع لم يتهيّأ أو أنّ “ثمّة أولويّاتٌ أهمّ”. وهذا التعطيل لا يعدو أن يكون هروباً من الواجب مُلفَّفاً بخطاب الأولويّات، لأنّ الأولويّات الحقيقيّة لا تُعطِّل الأحكامَ بل تُرتِّبها، ولا تسقط شيئاً بل تُقدِّم ما هو أجدر بالتقديم في وقته.
والخطأ الثاني هو الالتفاف، وهو أدهى وأمرّ لأنّه أخفى. والالتفاف أن يُؤدَّى الحكمُ في ظاهره بينما يُفرَّغ من روحه ومقصوده، كمن يُؤدّي الصلاة بلا خشوع ويحتجّ بأنّه أدّاها، أو كمن يُقرُّ بالحكم لفظاً ثمّ يجتهد في تأويله حتّى يُحوِّله إلى نقيضه. فهذا التلاعب ليس مراعاةً للأولويّات بل هو توظيفٌ للأولويّات سلاحاً في وجه النصّ ذاته، وهو ما يناقض جوهر هذا العلم الشريف من أوّله إلى آخره.
وبين التعطيل والالتفاف مساحةٌ رحبة هي مساحة الفقه الحقيقي، حيث يعمل العالمُ على أن يُوصل كلَّ حكمٍ إلى مكانه الصحيح في وقته الصحيح بالطريقة الصحيحة، لا تسرُّعاً يُفسد ولا تأخيراً يُعطِّل، لا إظهاراً يُفرِّق ولا إخفاءً يُميِّع.

كيف يبلغ الحكمُ غايتَه كاملاً

إنّ التحقيق الأمثل لمراد الحكم الشرعي يستلزم أن ينظر الفقيه في ثلاثة أشياء لا يغني أحدها عن الآخر: ما هو الحكم، وما مقصوده، وما الواقع الذي يُنزَّل فيه. فأمّا الحكم فمعلومٌ من النصّ، وأمّا المقصود فمستخلَصٌ من فهم النصّ في ضوء مجموع الشريعة، وأمّا الواقع فمدروسٌ بتأمّلٍ وإنصافٍ لا بهوىً وانتقاء.
وحين يجمع الفقيه هذه الثلاثة، فهو في حقيقة الأمر يبحث عن النقطة التي يلتقي فيها مراد الشارع مع حاجة الواقع التقاءً يُحقِّق الأوّل دون أن يُجامل الثاني تجاملاً يُفسده. فالواقع ليس حَكَماً على الشريعة بل هو ميدانٌ لتطبيقها، والمقصود ليس مُسوِّغاً لتجاوز النصّ بل هو مرشدٌ إلى حُسن تنزيله.
ومن هنا كانت مراعاة الأولويّات في حقيقتها خدمةً للأحكام لا إجهازاً عليها، وتعميقاً لتأثيرها لا تخفيفاً من وطأتها، وسعياً دؤوباً إلى أن يبلغ كلُّ حكمٍ غايتَه كاملاً في الزمان والمكان والمقدار المناسب، وهو السعي الذي يُميِّز الفقيه الراسخ عن المتسرِّع المتساهل، ويُميِّز علمَ المقاصد في صورته الأصيلة عن توظيفاته المنحرفة التي تُقلِّبه سيفاً في وجه الشريعة نفسها.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك