![]()
إشكالية أجور الدعاة..
تربح مشروع أم تكسب مذموم؟
أعادت حالة الزخم في الفضائيات ومنصات التواصل تشكيل صورة الداعية المعاصر، كما أبرزت إشكالية دقيقة تستحق التأمل بعيدًا عن لغة الاتهام أو التبرئة المطلقة، إشكالية العلاقة الملتبسة بين حق الداعية المشروع في العيش الكريم، وبين انزلاقه أحيانًا إلى منطق السوق الذي يحكم عالم المال والأعمال أكثر مما يحكم عالم الرسالة والهداية. وليست القضية جديدة على الفكر الإسلامي، فقد عرفها العلماء منذ قرون حين بحثوا في مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفتوى والوعظ، غير أن السياق المعاصر أضاف إليها أبعادًا لم تكن حاضرة من قبل، حين تحول الخطاب الديني نفسه إلى منتج قابل للتسويق، تتحكم في صياغته معايير الجمهور والانتشار أكثر مما تتحكم فيه معايير العلم والتربية.
الأجرة المشروعة حين تصبح رزقًا لا متاجرة
لم يختلف جمهور الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على كثير من أعمال التعليم والدعوة، فالمعلم الذي يفرغ وقته لتحفيظ القرآن أو تدريس العلوم الشرعية له أن يأخذ مقابل جهده، والداعية الذي يسافر ويترك عمله وأسرته لينشر علمًا أو يقيم دورة تدريبية له أن يتقاضى ما يعينه على الاستمرار في هذا الطريق. وقد استدل الفقهاء على هذا الجواز بأدلة عديدة من السنة النبوية، ومنها ما رواه البخاري من قصة الرقية بسورة الفاتحة التي أخذ عليها الصحابة أجرًا، فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله. فالأصل إذن أن العمل الدعوي حين يستنفد وقت صاحبه وجهده وتفرغه، فمن حقه أن يُكفى مؤونة العيش، وهذا لا يُعد مقابلًا للدين ذاته بل مقابلًا لما بذله من وقت وعلم وترتيب وتنظيم. والفارق هنا جوهري بين من يأخذ أجرًا يعينه على أداء رسالته، وبين من تتحول الرسالة عنده إلى وسيلة لتحصيل الأجر، فالأول يوظف المال ليخدم الدعوة، والثاني يوظف الدعوة لتخدم مصالحه المالية، وهذا الفارق الدقيق هو ما ينبغي أن يبقى حاضرًا في أي نقد يوجه لظاهرة الاحتراف الدعوي المعاصر، حتى لا يُفهم من النقد إنكار لحق مشروع أقره الشرع وأجمعت عليه كلمة العلماء عبر العصور.
حين تتحول الدعوة إلى صناعة تحكمها موازين العرض والطلب
لكن الإشكال الحقيقي لا يبدأ من حق الداعية في الأجرة، بل يبدأ من اللحظة التي تتحول فيها الدعوة نفسها إلى صناعة قائمة على منطق العرض والطلب، تمامًا كما تُصنّع أي سلعة تجارية أخرى. ففي هذه اللحظة يُعاد تشكيل مضمون الخطاب الديني، لا بحسب ما يحتاجه الناس من علم وتزكية وتقويم، بل بحسب ما يضمن له الانتشار الأوسع، وما يزيد من عدد المتابعين والمشاهدات، وما يرفع من قيمة الداعية في سوق الدعوات والمحاضرات المدفوعة. وهنا تدخل حسابات لم تكن يومًا جزءًا من منظومة التبليغ النبوي، حسابات الخوارزميات التي تفضل المحتوى المثير على المحتوى العميق، وحسابات الرعاة والجهات الممولة التي قد تفرض بشكل مباشر أو غير مباشر سقفًا لما يمكن قوله وما لا يمكن التطرق إليه. فتغدو المادة الدعوية أقرب إلى منتج إعلامي مصمم بعناية ليلائم ذائقة المستهلك، لا رسالة تخاطب الإنسان في أعمق حاجاته الروحية والأخلاقية، وهذا التحول وإن بدا تدريجيًا وغير محسوس في بداياته، إلا أنه يفضي إلى إعادة تعريف كاملة لمعنى الدعوة ذاتها ولوظيفة الداعية في المجتمع.
حين يصبح رضا الجمهور أولى من مقتضيات التربية
من أخطر تجليات هذا التحول أن يصبح رضا الجمهور معيارًا حاكمًا يتقدم على مقتضيات التربية والتزكية التي هي جوهر الرسالة الدعوية أصلًا. فالتربية الحقة تقتضي أحيانًا مصارحة الناس بما لا يحبون سماعه، وتستلزم الحديث عن التقصير والتفريط، وتستدعي مواجهة الأخطاء الاجتماعية الشائعة بصراحة قد تُغضب فئة عريضة من الجمهور. غير أن الداعية الذي بنى حضوره وشهرته على استحسان الناس، يجد نفسه في مأزق حقيقي كلما اقترب من هذه المناطق الحساسة، فهو يخشى أن يفقد شعبيته إن هو تحدث بلغة العلم الرصينة بدل لغة الخطابة العاطفية، ويخشى أن ينفض عنه جمهوره إن ناقش قضية فقهية بعمقها العلمي بدل تبسيطها إلى حد التسطيح، ويخشى أن يُتهم بالتشدد أو الجفاء إن واجه خطأ اجتماعيًا شائعًا بالحكمة والصراحة التي يقتضيها المقام. وهكذا تصبح الإثارة، سواء في اختيار الموضوعات أو في أسلوب الطرح، وسيلة شبه ثابتة للحفاظ على موقع في السوق الدعوي المزدحم بالمنافسين، وتتراجع القضايا الجوهرية العميقة لصالح ما يضمن التفاعل السريع والانتشار الواسع.
من رسالة تهذب الأهواء إلى خطاب يخضع لها
وهذه هي المفارقة الكبرى التي تختصر جوهر الإشكال بأكمله، أن الدين في أصل وظيفته جاء ليهذب أهواء الناس ويقوّم اعوجاجها ويرتقي بها نحو الكمال الإنساني المنشود، فإذا بالخطاب الدعوي في صورته المشوهة يتحول إلى خطاب يخضع لهذه الأهواء ذاتها بدل أن يهذبها، فيتبع الداعية ما يريده الجمهور لا ما يحتاجه، ويقدم ما يُرضي لا ما يُصلح، ويصير أسيرًا لتوقعات المتابعين بدل أن يكون قائدًا لهم نحو الأفضل. وفي هذا الانقلاب تكمن الخسارة الأعمق، إذ يفقد الخطاب الديني وظيفته الأصلية بوصفه صوت الحق الذي يعلو على الأهواء، ويتحول إلى مرآة تعكس رغبات الجمهور المتقلبة، وهو تحول لا يضر بمصداقية الداعية وحده، بل يضر بمكانة الدعوة ذاتها في الوجدان العام، ويجعل من الصعب على الناس التمييز بين من يخاطبهم بصدق طلبًا لرضا الله، وبين من يخاطبهم بمهارة طلبًا لرضاهم هم أنفسهم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أجور الدعاة, الدعاة, العمل الدعوي, الفتوى, الفكر الإسلامي, الوعظ, جمهور الفقهاء



