![]()
«فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا»..
أسرار التعبير القرآني وإعجاز نوم أصحاب الكهف
«فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا»..
أسرار التعبير القرآني وإعجاز نوم أصحاب الكهف
تعد قصة أصحاب الكهف من القصص القرآنية التي تجمع بين العبرة الإيمانية والدقة البالغة في التعبير، فقد عرض القرآن الكريم قصة مجموعة من الفتية الذين آمنوا بالله تعالى، ورفضوا الخضوع للشرك والباطل، فلجأوا إلى الكهف فرارا بدينهم، فأكرمهم الله بحفظهم ورعايتهم.
ومن أبرز الآيات التي تصف حالهم أثناء بقائهم في الكهف قوله تعالى: “فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا”. وتحمل هذه الآية القصيرة معاني عميقة، إذ تكشف عن طبيعة النوم الذي أنعم الله به عليهم، وعن دقة التعبير القرآني في اختيار لفظ “آذانهم” تحديدا، وهو ما جعل الآية موضع تأمل لدى المفسرين وأهل العلم.
قصة أصحاب الكهف
بدأت قصة أصحاب الكهف عندما آمن عدد من الفتية بربهم، ورفضوا عبادة غير الله، فقال تعالى على لسانهم: “ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا”.
وعندما اشتد عليهم الخوف من قومهم، قرروا اللجوء إلى الكهف حفاظا على عقيدتهم، ودعوا الله أن ينشر عليهم رحمته ويهيئ لهم من أمرهم رشدا.
وهنا جاءت عناية الله بهم بصورة تفوق الأسباب البشرية، فأنامهم في الكهف سنوات طويلة، ثم بعثهم من نومهم ليكون أمرهم آية للناس ودليلا على قدرة الله تعالى على البعث.
معنى «فضربنا على آذانهم»
يقول الله تعالى: “فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا”. ومعنى الآية أن الله تعالى ألقى عليهم نوما عميقا ثقيلا، ومنع عنهم أسباب الاستيقاظ، فظلوا نائمين في الكهف سنوات طويلة.
وعبر القرآن عن إنامتهم بقوله “فضربنا على آذانهم”، ولم يقل مثلا “فأنمناهم” فقط، وفي هذا التعبير إشارة إلى شدة النوم واستمراره، لأن الأذن من أهم منافذ التنبه إلى الأصوات المحيطة بالإنسان.
وقد ذكر المفسرون أن معنى “ضربنا على آذانهم” هو أن الله تعالى ألقى عليهم النوم، وحال بينهم وبين سماع الأصوات التي يمكن أن توقظ النائم، فكان ذلك جزءا من الحفظ الإلهي لهم.
لماذا خص القرآن الآذان بالذكر؟
يظهر جمال التعبير القرآني في اختيار الأذن دون غيرها من أعضاء الجسم، فالنائم قد يستيقظ بسبب صوت مفاجئ حتى إذا لم ير شيئا ولم يشعر بمن حوله، ولذلك فإن تعطيل استجابة الإنسان للأصوات يمثل وسيلة مهمة لاستمرار النوم.
والآية لا تقدم وصفا طبيا تفصيليا للنوم، وإنما تستخدم تعبيرا عربيا بليغا يصور شدة نومهم وانقطاعهم عن المؤثرات الخارجية. ومن هنا ينبغي التفريق بين التأمل في الإشارات التي يحملها التعبير القرآني وبين الجزم بأن الآية تقدم نظرية طبية تفصيلية.
«سنين عددا».. دقة في وصف الزمن
لم تكتف الآية ببيان أنهم ناموا في الكهف، بل قالت: “سنين عددا”، أي سنوات كثيرة معدودة.
ثم بين القرآن بعد ذلك مدة لبثهم بصورة أكثر تفصيلا، فقال تعالى: “ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا”.
وهذا يدل على أن نوم أصحاب الكهف لم يكن نوما عاديا لبضع ساعات أو أيام، وإنما كان حالة استثنائية امتدت لسنوات طويلة، وهو أمر لا يملكه البشر ولا يستطيعون تحقيقه بإرادتهم، وإنما وقع بإرادة الله وقدرته.
الإعجاز في الجمع بين النوم والحفظ
من أبرز وجوه الإعجاز في القصة أن أصحاب الكهف لم يكونوا في مكان مهيأ للحياة الطبيعية، بل كانوا داخل كهف، ومع ذلك حفظهم الله طوال تلك المدة.
فقد وصف القرآن حالهم في موضع آخر بقوله تعالى: “وتحسبهم أيقاظا وهم رقود”، كما قال: “ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال”.
وهذا الوصف يفتح بابا للتأمل في كيفية حفظ أجسادهم خلال مدة النوم الطويلة، فقد أخبر الله تعالى أنه كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، كما جعل الشمس تمر عن كهفهم بطريقة لا تؤذيهم.
ومن هنا يظهر أن العناية الإلهية لم تقتصر على إنامتهم، بل شملت المكان وأجسادهم وحركتهم طوال مدة بقائهم.
الإعجاز في التعبير القرآني
يكمن جمال التعبير في قوله تعالى: “فضربنا على آذانهم” في أنه يصور حالة الانقطاع عن العالم الخارجي بصورة شديدة الدقة والبلاغة. فالإنسان أثناء النوم يظل محاطا بالأصوات والمؤثرات، وبعض الأصوات قد تكون سببا في إيقاظه، بينما كان أصحاب الكهف في نوم عميق مستمر بإذن الله.
كما أن استخدام كلمة “ضربنا” يعطي التعبير قوة، فهي في هذا السياق تفيد الإلقاء والإحكام، وكأن النوم قد أحيط بهم إحاطة حالت بينهم وبين المؤثرات التي يمكن أن تقطع نومهم.
ولا يعني ذلك أن “الضرب” هنا كان ضربا حسيا على الأذن، وإنما هو تعبير عربي بليغ عن إلقاء النوم عليهم ومنعهم من السماع الذي يؤدي إلى اليقظة.
القصة دليل على قدرة الله على البعث
لم تكن قصة أصحاب الكهف مجرد حديث عن نوم طويل، وإنما جاءت لتقرير حقيقة عقدية عظيمة، وهي قدرة الله تعالى على إحياء الموتى والبعث بعد الموت.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمات عنهم الإحساس زمنا طويلا ثم أعاد إليهم الوعي والحياة الطبيعية، فإن بعث الخلق بعد الموت ليس أمرا مستحيلا على قدرة الله.
ولهذا جاء بعد استيقاظهم حديثهم عن المدة التي لبثوها، ثم كانت قصتهم سببا في ظهور حقيقة أمرهم للناس، ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها.
دروس إيمانية من الآية
تحمل الآية دروسا عظيمة، أهمها أن من ترك شيئا لله وحافظ على دينه فإن الله قادر على أن يحفظه ويرعاه، وأن قدرة الله لا تحدها الأسباب ولا قوانين الحياة المعتادة.
كما تعلمنا القصة أن الإنسان قد يرى بعض الأحداث مستحيلة وفقا لقدراته المحدودة، بينما قدرة الله تعالى فوق كل تصور بشري.
عبارة “فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا” تكشف عن جانب بديع من قصة أصحاب الكهف، إذ اختار القرآن لفظا دقيقا يصور شدة نومهم وانقطاعهم عن الأصوات والمؤثرات التي يمكن أن توقظهم.
وتزداد روعة المشهد عندما نقرأ الآيات مجتمعة: نوم طويل، وحفظ للأجساد، وتقليب لهم ذات اليمين وذات الشمال، وحماية من الشمس، ثم إيقاظ بعد سنوات طويلة. وكل ذلك يؤكد أن القصة قبل أن تكون موضعا للتأمل في أسرار النوم، هي آية عظيمة على قدرة الله تعالى، ودليل على أن الذي حفظ أصحاب الكهف تلك المدة قادر على بعث الخلق جميعا.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أشعة الشمس, أهل الكهف, القرآن الكريم, سورة الكهف



