الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان..

قاعدة فقهية تيسر المعاملات وتراعي أحوال المكلفين

تعد القواعد الفقهية من أهم العلوم التي تكشف عن سعة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب مختلف الوقائع والأحوال، فهي عبارات موجزة تجمع تحتها مسائل فقهية متعددة، وتساعد الفقيه على فهم الأحكام وتنزيلها على الوقائع بصورة...
الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان..

الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان..

قاعدة فقهية تيسر المعاملات وتراعي أحوال المكلفين

تعد القواعد الفقهية من أهم العلوم التي تكشف عن سعة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب مختلف الوقائع والأحوال، فهي عبارات موجزة تجمع تحتها مسائل فقهية متعددة، وتساعد الفقيه على فهم الأحكام وتنزيلها على الوقائع بصورة منضبطة، ومن القواعد المهمة في هذا الباب قاعدة: “الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان”، وهي قاعدة تعكس عناية الشريعة الإسلامية بأحوال الإنسان المختلفة، وعدم تكليفه بما يتجاوز قدرته واستطاعته.

وتتعلق هذه القاعدة بمن فقد القدرة على الكلام، بحيث لا يستطيع التعبير عن مقاصده وأقواله بواسطة اللسان، فجعل الفقهاء إشارته المفهومة المعتادة بمنزلة الكلام في المواضع التي يحتاج فيها إلى التعبير عن إرادته. والمقصود بالإشارة المعهودة أنها الإشارة التي اعتاد الشخص استخدامها للتعبير عن معان معينة، ويعرفها من يتعامل معه، بحيث تكون دالة على قصده دلالة واضحة.

وتظهر أهمية القاعدة في أنها تؤكد أن العبرة في كثير من التصرفات بتحقق الدلالة على الإرادة والقصد، وليس بمجرد استعمال الألفاظ، فاللفظ وسيلة للتعبير، فإذا تعذرت هذه الوسيلة وقامت إشارة واضحة مقامها، أمكن اعتبارها في الحكم.

الأساس الشرعي للقاعدة

يقوم هذا الأصل على جملة من القواعد والمقاصد العامة في الشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها رفع الحرج ومراعاة الاستطاعة. قال الله تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”، وقال سبحانه: “فاتقوا الله ما استطعتم”. وتدل هذه النصوص على أن الشريعة لا تجعل العجز سببا لتعطيل حقوق الإنسان أو منعه من مباشرة ما يستطيع من التصرفات.

كما أن الشريعة اعتبرت وسائل متعددة للتعبير عن الإرادة بحسب اختلاف الأحوال، فلم تجعل الكلام اللفظي الوسيلة الوحيدة التي تثبت بها المقاصد. ولهذا جاءت الأحكام الفقهية مراعية لحال الأخرس، فجعلت إشارته المفهومة معتبرة في عدد من المواضع، لأنها الوسيلة التي يستطيع من خلالها إظهار إرادته ومقصده.

ولا يعني ذلك قبول كل حركة أو إشارة تصدر من الأخرس، وإنما يشترط أن تكون الإشارة مفهومة ودالة على المقصود، وأن تكون مما جرت عادته باستعماله، أو مما يفهمه المخاطبون منه بصورة واضحة.

معنى الإشارة المعهودة للأخرس

المقصود بالإشارة المعهودة أن يكون للأخرس أسلوب معروف في التعبير عن المعاني التي يريد إيصالها إلى الآخرين. فقد تكون له إشارة مخصوصة للدلالة على الموافقة، وأخرى للرفض، وثالثة لطلب شيء معين. فإذا كانت هذه الإشارات معروفة وثابتة الدلالة، أمكن اعتمادها في الأحكام التي تحتاج إلى التعبير عن الإرادة.

وهنا يظهر الفرق بين الإشارة المعهودة والإشارة العارضة. فالإشارة المعهودة تكون مرتبطة بعادة الشخص وطريقته في التواصل، ولذلك يسهل فهم معناها. أما الإشارة العارضة التي تحتمل أكثر من معنى، فلا تكون في القوة نفسها، لأن المقصود من اعتبار الإشارة هو تحقيق الدلالة والوضوح، وليس مجرد وجود حركة أو علامة.

وقد يحتاج القاضي أو المفتي في بعض الحالات إلى التثبت من معنى الإشارة، خصوصا إذا ترتب عليها حق مالي أو حكم مهم، فيستعين بمن يعرف طريقة الأخرس في التعبير، أو بما يكشف عن مقصوده بصورة لا تدع مجالا كبيرا للشك.

تطبيقات القاعدة في الفقه الإسلامي

تظهر آثار هذه القاعدة في أبواب فقهية متعددة، ومنها العقود والمعاملات، حيث يحتاج الإنسان إلى التعبير عن رضاه أو رفضه. فإذا كان الشخص أخرس ولا يستطيع النطق، فقد تقوم إشارته المفهومة مقام اللفظ في المواضع التي يعتبر فيها التعبير عن الإرادة.

كما يمكن أن تظهر القاعدة في مسائل الزواج والطلاق والإقرار والبيع والشراء وسائر التصرفات التي يكون المقصود منها معرفة إرادة الشخص. ويختلف الحكم التفصيلي من مسألة إلى أخرى بحسب طبيعة التصرف وشروطه، وبحسب ما قرره الفقهاء في كل باب.

وفي باب المعاملات المالية، يمكن للإشارة الواضحة أن تدل على القبول أو الرفض إذا تعذر التعبير بالكلام، لأن المقصود من العقد هو تحقق التراضي بين الأطراف، وليس مجرد التلفظ بألفاظ معينة متى كانت هناك وسيلة معتبرة تؤدي إلى الدلالة على الرضا.

أما في الإقرار، فتكون الإشارة محل اعتبار إذا كانت واضحة الدلالة على المعنى المقصود، مع مراعاة الضوابط التي وضعها الفقهاء لحماية الحقوق ومنع الالتباس. وفي المسائل القضائية، تزداد الحاجة إلى التثبت، لأن الخطأ في فهم الإشارة قد يؤدي إلى الحكم في حق من الحقوق بغير وجه صحيح.

صلة القاعدة بمقاصد الشريعة

تكشف هذه القاعدة عن جانب مهم من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو تحقيق العدل ورفع الحرج وحفظ حقوق الناس. فلو اشترط الكلام على كل شخص في جميع التصرفات، لتعذر على الأخرس التعبير عن إرادته، ولأدى ذلك إلى تعطيل مصالحه ومنعه من ممارسة حقوقه الطبيعية.

ومن هنا جاءت الشريعة بما يحقق التيسير دون أن يفتح باب الفوضى أو الادعاء. فاعتبار الإشارة لم يكن مجرد تسهيل شكلي، بل هو وسيلة لتحقيق مقصد شرعي يتمثل في تمكين الإنسان من التعبير عن إرادته بحسب قدرته، مع المحافظة على حقوق الآخرين.

وتبرز القاعدة كذلك مرونة الفقه الإسلامي في التعامل مع اختلاف القدرات البشرية. فالناس ليسوا على درجة واحدة في القدرة على الكلام أو الكتابة أو الإشارة، والشريعة جاءت بأحكام تراعي هذا التنوع، وتبحث عن الوسيلة التي يتحقق بها المقصود المشروع.

الضوابط التي تحكم العمل بالقاعدة

لا يصح تطبيق القاعدة دون ضوابط، ومن أهمها أن تكون إشارة الأخرس مفهومة، وأن تدل على مقصوده دلالة معتبرة. كما ينبغي التأكد من أن الشخص يقصد الإشارة التي صدرت منه، خصوصا في التصرفات التي يترتب عليها أثر شرعي أو مالي.

ومن الضوابط كذلك ألا تتعارض الإشارة مع قرائن قوية تدل على خلافها، وأن يراعى اختلاف الأحكام من باب فقهي إلى آخر. فما يقبل في بعض المعاملات قد يحتاج إلى شروط إضافية في مسائل أخرى، خصوصا في التصرفات التي ترتبط بالحقوق العامة أو بالأنكحة والطلاق والشهادات والقضاء.

كما أن التطور في وسائل التواصل الحديثة يمكن أن يوسع من دائرة الوسائل التي يستطيع الأخرس استخدامها للتعبير عن إرادته، كالكتابة ووسائل الاتصال الرقمية ولغة الإشارة المعتمدة، ما دامت تحقق المقصود بصورة واضحة ويمكن التحقق من صدورها عنه.

دلالة القاعدة في واقعنا المعاصر

تزداد أهمية هذه القاعدة في العصر الحديث مع اتساع الاهتمام بحقوق ذوي الإعاقة وضرورة دمجهم في المجتمع وتمكينهم من ممارسة حقوقهم. فالشريعة الإسلامية سبقت إلى تقرير أصل مهم، وهو عدم تعطيل مصالح الإنسان بسبب عجزه عن استخدام وسيلة معينة للتعبير.

ومن هذا المنطلق يمكن الاستفادة من القاعدة في تطوير الإجراءات المتعلقة بالأشخاص الصم والبكم، سواء في المؤسسات التعليمية أو القضائية أو المالية أو الاجتماعية، بما يضمن وصولهم إلى حقوقهم وتمكينهم من التعبير عن إرادتهم بوسائل موثوقة ومفهومة.

إن قاعدة “الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان” ليست مجرد حكم فقهي جزئي، بل هي نموذج واضح لمرونة الشريعة وقدرتها على التعامل مع اختلاف أحوال الناس. فهي تؤكد أن المقصود هو فهم الإرادة وتحقيق المصالح وصيانة الحقوق، وأن الوسائل قد تتعدد بينما يبقى المعتبر هو تحقق المعنى المقصود بصورة واضحة ومنضبطة. وبذلك تجمع القاعدة بين التيسير والانضباط، وبين مراعاة حال المكلف وحفظ حقوق الآخرين، بما يؤكد شمول الفقه الإسلامي وصلاحيته لمختلف البيئات والظروف.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
الخطابة..
الخطابة من أقدم فنون التواصل التي عرفها الإنسان، ومن أكثرها قدرة على التأثير في العقول والمشاعر وتوجيه...
المزيد »
شبهة تعدد الزوجات..
تعد شبهة تعدد الزوجات من أكثر الشبهات التي تتكرر عند الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، إذ يذهب بعض المنتقدين...
المزيد »
فقه الأقليات المسلمة
يعد فقه الأقليات المسلمة من المجالات الفقهية المعاصرة التي اكتسبت أهمية متزايدة مع اتساع وجود المسلمين...
المزيد »
المضاربة..
المضاربة من أبرز صيغ الاستثمار التي أقرها الفقه الإسلامي، وهي تقوم على التعاون بين طرفين، يقدم أحدهما...
المزيد »
الإمام الشاطبي وبناء علم المقاصد الشرعية
يعد الإمام أبو إسحاق الشاطبي واحدا من أبرز علماء أصول الفقه الذين أسهموا في ترسيخ علم المقاصد الشرعية...
المزيد »
هل لمس المرأة ينقض الوضوء؟
تعد مسألة لمس الرجل للمرأة من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف مشهور بين العلماء، خاصة فيما يتعلق بأثر...
المزيد »
السلاجقة
برز السلاجقة خلال القرن الحادي عشر الميلادي كواحدة من أبرز القوى السياسية والعسكرية في العالم الإسلامي،...
المزيد »
الأعرابي الذي بال في المسجد..
يعد موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد من أشهر المواقف النبوية التي تجسد الرحمة...
المزيد »
أوترانتو..
تعد مدينة أوترانتو في جنوب إيطاليا آخر المدن التي دخلت تحت السيطرة العثمانية في عهد السلطان محمد الفاتح،...
المزيد »
عمرو بن معديكرب..
يعد الصحابي الجليل عمرو بن معديكرب الزبيدي، المعروف بكنيته "أبو ثور"، واحدا من أشهر فرسان العرب الذين...
المزيد »
مولد النبي ﷺ..
ارتبط مولد النبي محمد ﷺ في الذاكرة الإسلامية بجملة من الأحداث والعلامات التي تناولتها كتب السيرة والتاريخ،...
المزيد »
حين خاف الخليفة من الرشوة..
يقدم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز نموذجا بارزا في الزهد والورع ومراقبة الله، فقد جمع بين مسؤولية...
المزيد »
«خير البر عاجله»..
تتردد عبارة "خير البر عاجله" على ألسنة كثير من الناس، ويستعملها البعض في أحاديثهم وكتاباتهم على أنها...
المزيد »
شجاعة الرسول..
كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم نموذجا فريدا في اجتماع صفات القيادة والرحمة والشجاعة، فقد جمع بين قوة...
المزيد »
إطالة السجود في النوافل..
تعد إطالة السجود في النوافل من الأعمال التي تمنح المسلم فرصة ثمينة للوقوف بين يدي الله تعالى في حال من...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك