![]()
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين، خاصة عند تعرض الإنسان لإصابة تمنعه من استعمال الماء في موضع من جسده. وقد تناول الإمام أحمد بن حنبل هذه المسألة بعناية، وربط الحكم بضرورة التيسير على المريض مع المحافظة على أصل الطهارة.
ما المقصود بالجبيرة؟
الجبيرة هي ما يوضع على موضع الكسر أو الجرح من جبس أو عود أو رباط ونحو ذلك، بهدف تثبيت العضو وحمايته حتى يلتئم. وقد يحتاج المصاب إلى إبقاء الجبيرة فترة من الزمن، بحيث يكون نزعها أو وصول الماء إلى موضع الإصابة سببا في زيادة الضرر أو تأخر الشفاء.
ومن هنا جاءت أحكام المسح على الجبيرة باعتبارها من الرخص التي تتعلق بالطهارة، حيث ينتقل المكلف من غسل العضو المصاب إلى المسح على ما يغطيه عند تعذر استعمال الماء.
موقف الإمام أحمد من المسح على الجبيرة
يرى الإمام أحمد بن حنبل مشروعية المسح على الجبيرة عند الحاجة، إذا كان نزعها أو غسل ما تحتها يسبب ضررا للمصاب أو يؤدي إلى تأخر البرء. ويأتي هذا الحكم في إطار التيسير الذي جاءت به الشريعة، ورفع الحرج عن المكلفين.
ويختلف حكم الجبيرة عن بعض مسائل المسح الأخرى من حيث ارتباطها بالحاجة والضرورة، ولذلك لا يشترط في الجبيرة ما يشترط في الخف من بعض الأحكام المتعلقة بوقت اللبس وطهارة موضعه.
والأصل عند الحنابلة أن المسلم إذا احتاج إلى تغطية موضع الإصابة، فإنه يمسح على الجبيرة بدلا من غسل ما تحتها، ما دام العذر قائما.
متى يجوز المسح على الجبيرة
يرتبط جواز المسح على الجبيرة بوجود الحاجة، ولذلك لا تكون الرخصة لمجرد وجود غطاء على العضو، وإنما عند وجود عذر معتبر يمنع من إزالة الجبيرة أو إيصال الماء إلى موضع الإصابة.
فإذا قرر أهل الخبرة من الأطباء أن استعمال الماء يضر بالجرح أو أن إزالة الجبيرة تؤثر في العلاج، جاز للمصاب المسح عليها.
أما إذا زال الضرر وأصبح غسل الموضع ممكنا دون مشقة أو أذى، فإن الحكم يعود إلى الأصل، وهو غسل العضو في الوضوء أو الغسل بحسب الحال.
الفرق بين الجبيرة والوضوء المعتاد
عند الوضوء، الأصل أن يغسل المسلم أعضاء الطهارة بالماء، لكن الشريعة راعت حالات المرض والعجز، فأقرت بدائل شرعية عند تعذر استعمال الماء أو ترتب الضرر عليه.
فإذا كان العضو سليما، وجب غسله، وإذا كان مصابا ويمكن غسله دون ضرر، فإنه يغسل. أما إذا كان يغطيه ما يحتاج إليه للعلاج، فينتقل الحكم إلى المسح على الجبيرة.
وتظهر هنا أهمية تقدير الحالة وعدم التوسع في استعمال الرخصة دون حاجة، لأن الرخص الشرعية شرعت لمعالجة حالات العجز والمشقة، لا لتحل محل الأصل من غير سبب.
هل يشترط الوضوء قبل وضع الجبيرة
من المسائل التي بحثها الفقهاء في باب الجبيرة مسألة وضعها على طهارة، وقد اختلفت فيها أقوال العلماء، وتظهر في المذهب الحنبلي تفاصيل فقهية بحسب نوع الجبيرة والحاجة إليها.
والجبيرة تختلف عن الخف في هذه المسألة، لأن الإنسان قد يتعرض للكسر أو الجرح بصورة مفاجئة، ولا يكون قادرا على انتظار الوضوء قبل وضع ما يحتاج إليه من علاج.
ولهذا ارتبطت أحكام الجبيرة بدرجة أكبر بالحاجة والضرورة، وبما يحقق مصلحة المصاب دون تكلف أو مشقة.
مدة المسح على الجبيرة
من خصائص المسح على الجبيرة أنه لا يرتبط بمدة زمنية محددة على النحو المعروف في المسح على الخفين، وإنما يستمر الحكم ما دامت الحاجة قائمة.
فإذا بقيت الجبيرة بسبب استمرار العلاج أو خوف الضرر من نزعها، جاز المسح عليها، فإذا انتهى العذر وأمكن غسل الموضع عاد المكلف إلى الحكم الأصلي.
وهذا يعكس ارتباط الرخصة بسببها، فهي تدور مع الحاجة وجودا وعدما.
الشريعة ترفع الحرج عن المريض
يكشف رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة عن جانب مهم من مقاصد الشريعة، وهو رفع الحرج ومراعاة أحوال المكلفين. فالشريعة لم تجعل الطهارة سببا في زيادة المرض أو تعطيل العلاج، وإنما وضعت أحكاما تراعي قدرة الإنسان وظروفه.
ومن ثم فإن المسح على الجبيرة يمثل نموذجا واضحا للتيسير الفقهي المنضبط، حيث يجتمع الالتزام بأحكام الطهارة مع الحفاظ على صحة الإنسان وسلامته.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإمام أحمد بن حنبل, الشريعة الإسلامية, الطهارة, المسح على الجبيرة



