«اللهم ابتله بمصيبتي»..

أبو جعفر المنصور يتعلم درسا في العدل

تحمل كتب التراث كثيرا من القصص التي تسلط الضوء على علاقة الحاكم بالمحكوم، وتكشف أن العدل لا يقاس فقط بما يصدر من قرارات، وإنما بقدرة المسؤول على الاستماع إلى معاناة الناس وفهم تفاصيل حياتهم اليومية...
"اللهم ابتله بمصيبتي"..

«اللهم ابتله بمصيبتي»..

أبو جعفر المنصور يتعلم درسا في العدل

تحمل كتب التراث كثيرا من القصص التي تسلط الضوء على علاقة الحاكم بالمحكوم، وتكشف أن العدل لا يقاس فقط بما يصدر من قرارات، وإنما بقدرة المسؤول على الاستماع إلى معاناة الناس وفهم تفاصيل حياتهم اليومية. ومن القصص التي تحمل هذا المعنى حكاية تروى عن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي خرج ذات يوم يتفقد أحوال الناس وأطراف بغداد، وبرفقته عدد من حراسه.

وخلال جولته، مر الخليفة بأحد الطرق الضيقة التي كانت تعاني من سوء حالها، فلفت انتباهه رجل أعرابي بسيط كان يسوق حماره، وقد حمل على ظهره عددا من الجرار المملوءة بالزيت. كان الرجل يعتمد على هذه التجارة البسيطة في توفير قوت يومه، ولم يكن يملك من الدنيا سوى حماره وما يحمله عليه من بضاعة.

وبينما كان يحاول عبور الطريق الموحل، تعثر الحمار بشكل مفاجئ، وسقط في الوحل، لتتحطم الجرار واحدة تلو الأخرى، وينسكب الزيت على الأرض، وتضيع معه بضاعة الرجل ومصدر رزقه.

دعاء غاضب ضد الخليفة

وقف الأعرابي للحظات أمام المشهد عاجزا عن استيعاب ما حدث. فقد كانت الخسارة بالنسبة إليه أكبر بكثير من مجرد جرار مكسورة وزيت مسكوب، لأن ما تحطم أمام عينيه كان يمثل رأس ماله ورزقه الذي يعتمد عليه في إعالة نفسه.

جلس الرجل إلى جوار حماره، وضرب كفا بكف من شدة الحزن، ثم رفع عينيه إلى السماء وقال في لحظة غضب وقهر: “اللهم ابتل أبا جعفر المنصور بمثل ما ابتليتني به اليوم”.

وصلت كلماته إلى مسامع حراس الخليفة، فغضبوا بشدة، ورأوا أن الرجل تجاوز حدود الأدب عندما دعا على أمير المؤمنين. واتجه بعضهم نحوه رغبة في معاقبته على ما قال، إلا أن الخليفة أشار إليهم بالتوقف وعدم التعرض له.

لم يكن المنصور راغبا في أن تتحول شكوى رجل منكوب إلى عقوبة، بل أراد أن يعرف السبب الذي دفعه إلى إطلاق هذا الدعاء.

المنصور يسأل عن سبب الدعاء

اقترب الخليفة من الأعرابي وقال له مستنكرا: يا هذا، أتدعو على أمير المؤمنين؟ وما ذنبه فيما حدث لك؟ هل كان هو الذي أسقط حمارك وكسر جرارك؟

كان الرجل لا يعرف أن الشخص الذي يقف أمامه هو أبو جعفر المنصور نفسه، فنظر إليه بمرارة وأجاب بأن دعاءه لم يكن بسبب اعتقاده أن الخليفة هو من تسبب مباشرة في سقوط الحمار أو كسر الجرار.

وقال الأعرابي إن دعاءه كان ناتجا عن رغبته في أن يذوق الخليفة يوما نوع المصيبة التي يعيشها الفقراء عندما تضيع منهم وسيلة رزقهم، حتى يدرك حجم الألم الذي يشعرون به.

تعجب المنصور من إجابته، وسأله عن معنى كلامه، فبدأ الأعرابي يشرح له الفارق بين حال رجل يملك المال والقدرة على تعويض خسارته، وبين فقير لا يملك إلا ما يحمله أمامه.

“هذا الحمار كل ما أملك”

قال الأعرابي إن الخليفة يملك من المال والخدم والقدرة ما يجعله قادرا على تعويض أي خسارة في وقت قصير. فإذا انكسرت له جرة أو سقط له حمار، يستطيع أن يأمر بإحضار غيرها، وتنتهي المشكلة دون أن تهدد حياته أو مصدر دخله.

أما هو، فالأمر مختلف تماما.

وأشار إلى حماره والجرار المحطمة، موضحا أن هذا الحمار وتلك الجرار كانت كل ما يملك. فإذا تحطمت الجرار ضاع رأس ماله، وإذا مات الحمار ضاعت وسيلته الوحيدة لنقل البضائع والعمل، وإذا كان الطريق هو السبب في سقوطه، فإنه لا يملك المال الكافي لإصلاحه أو تجاوز مشكلته.

ثم أوضح للأمير أن الفقير لا يملك رفاهية تحمل الخسارة كما يفعل الغني، لأن الخسارة الصغيرة بالنسبة إلى صاحب المال قد تكون كارثة كاملة بالنسبة إلى رجل يعيش على قدر يومه.

واختتم الأعرابي حديثه بمعنى بسيط لكنه شديد التأثير: لو ذاق الخليفة مصيبته كما يذوقها هو، لفهم لماذا خرج منه ذلك الدعاء في لحظة قهر.

لحظة صمت غيرت الموقف

ساد الصمت بعد كلمات الأعرابي، ولم يجد الخليفة ما يرد به على هذا المنطق البسيط. فنظر إلى الطريق، ثم تأمل الجرار المحطمة والزيت المسكوب، وأعاد النظر في الرجل الذي فقد في لحظات كل ما يملك.

وهنا تغيرت زاوية النظر إلى الحادثة.

فلم تعد القضية مجرد حمار تعثر في طريق موحل، ولا مجرد رجل خسر بعض جرار الزيت، وإنما أصبحت أمام الخليفة مشكلة أوسع تتعلق بطريق سيئ يمكن أن يتسبب في خسائر متكررة للفقراء الذين يستخدمونه يوميا.

لقد كشف الرجل بكلماته أن المسؤولية لا تتوقف عند معرفة من تسبب في الضرر بشكل مباشر، وإنما تمتد إلى الظروف التي تسمح بوقوع الضرر من الأساس.

من شكوى فردية إلى قرار بالإصلاح

بدلا من أن يعاقب الخليفة الأعرابي على دعائه الغاضب، أمر بتعويضه عن خسارته، ثم التفت إلى المشكلة الأكبر وأمر بإصلاح الطريق حتى لا يتكرر ما حدث مع الرجل أو يقع غيره ضحية للظروف نفسها.

وهنا تكمن القيمة الأهم في القصة، فالحاكم لم يكتف بتعويض المتضرر، وإنما حاول معالجة السبب الذي أدى إلى وقوع الضرر.

فالمال الذي يحصل عليه الأعرابي يعالج خسارته في تلك اللحظة، لكن إصلاح الطريق يحمي عشرات وربما مئات الأشخاص من خسائر مستقبلية.

الدرس الأهم.. المسؤول يسمع قبل أن يحكم

تقدم الحكاية درسا مهما في مفهوم القيادة والمسؤولية، فالقائد الحقيقي ليس هو الذي يحيط نفسه بمن يمدحونه، أو يغضب من كل كلمة نقد توجه إليه، وإنما هو الذي يستطيع أن يستمع حتى إلى الكلام الذي يأتي في صورة غضب واحتجاج.

وقد يكون الإنسان الغاضب أحيانا هو الأكثر قدرة على كشف الخلل، لأنه يتحدث من قلب التجربة، لا من وراء المكاتب.

ولذلك فإن قيمة المسؤول لا تظهر فقط في قدرته على إصدار الأوامر، وإنما في استعداده للنظر إلى المشكلة من زاوية من يعاني منها.

وتبقى قصة الأعرابي وأبي جعفر المنصور، بما تحمله من دلالات، نموذجا على أن كلمة قاسية قد تكون بداية إصلاح كبير، وأن إنصاف المظلوم لا يعني فقط تعويضه عن خسارته، بل البحث عن السبب الذي أدى إلى خسارته ومنع تكراره.

فالقائد الذي لا يسمع إلا المديح قد يعيش بعيدا عن حقيقة ما يعانيه الناس، أما القائد الذي يصغي إلى الشكوى ويفهم أسبابها، فيستطيع أن يحول الألم الفردي إلى إصلاح يستفيد منه الجميع.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
من هزيمة الخزندار إلى نصر شقحب..
لم تكن معركة وادي الخزندار عام 1299 مجرد مواجهة عسكرية انتهت بانسحاب الجيش المملوكي أمام المغول، وإنما...
المزيد »
قلعة أرداهان..
في شمال شرقي تركيا، تقف قلعة أرداهان شامخة فوق موقعها المميز، شاهدة على قرون طويلة من التاريخ، ومتحولة...
المزيد »
حادثة الفيل..
تعد حادثة أصحاب الفيل من أبرز الأحداث التي ارتبطت بتاريخ مكة المكرمة قبيل مولد النبي محمد ﷺ، وقد تركت...
المزيد »
الاستغفار في المجالس وخواتيم اللقاءات..
تعد المجالس واللقاءات من أكثر المواطن التي تتكرر في حياة الإنسان، سواء كانت مجالس عائلية أو اجتماعية...
المزيد »
رحمة النبي ﷺ بالأطفال والضعفاء..
كانت الرحمة من أبرز السمات التي ميزت شخصية النبي محمد ﷺ، فلم تكن الرحمة في سيرته مجرد معنى نظري أو شعار...
المزيد »
«اختلاف أمتي رحمة»..
تنتشر بين المسلمين عبارات كثيرة ترتبط بالدين والسنة النبوية، ويجري تداول بعضها على أنها أحاديث عن النبي...
المزيد »
علم الحديث بين الرواية والدراية..
علم الحديث من أجل العلوم الإسلامية وأهمها، لما له من صلة مباشرة بحفظ السنة النبوية ونقلها وفهمها، فهي...
المزيد »
اللام الصامتة والناطقة..
من عجائب هذه اللغة التي حملت كتاب الله، أن حرفًا واحدًا لا يتجاوز رسمه خطًّا صغيرًا، هو لام التعريف،...
المزيد »
سورة التوبة..
تعد سورة التوبة من السور المدنية التي تناولت عددا من القضايا المهمة التي واجهها المجتمع المسلم في المدينة...
المزيد »
«فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا»..
تعد قصة أصحاب الكهف من القصص القرآنية التي تجمع بين العبرة الإيمانية والدقة البالغة في التعبير، فقد عرض...
المزيد »
«والليل إذا يغشاها»..
تتضمن سورة الشمس مجموعة من الآيات التي تقسم بمظاهر عظيمة من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى في الكون، فتبدأ...
المزيد »
«يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر»..
تعد آيات تحريم الخمر من الآيات العظيمة التي كشفت موقف الإسلام من كل ما يفسد عقل الإنسان ويضر بدينه ودنياه،...
المزيد »
البصيرة في الإسلام..
تعد البصيرة من أعظم المعاني التي دعا إليها الإسلام، فهي ليست مجرد معرفة بالمعلومات أو القدرة على إدراك...
المزيد »
من جمال الكلمة إلى نور الهداية..
ارتبط الأدب منذ القدم بقدرة الكلمة على التأثير في النفوس وتشكيل الوعي والتعبير عن المشاعر والأفكار. والكلمة...
المزيد »
المأمون والإمام أحمد..
في العاشر من أغسطس سنة 833م، الموافق سنة 218هـ، توفي الخليفة العباسي عبد الله المأمون في بلاد الروم،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك