«والليل إذا يغشاها»..

عندما يغطي الليل الشمس ويستر ضوءها

تتضمن سورة الشمس مجموعة من الآيات التي تقسم بمظاهر عظيمة من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى في الكون، فتبدأ بقوله تعالى: "والشمس وضحاها"، ثم "والقمر إذا تلاها"، ثم "والنهار إذا جلاها"، وبعدها "والليل إذا يغشاها"....
تتضمن سورة الشمس مجموعة من الآيات التي تقسم بمظاهر عظيمة من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى في الكون، فتبدأ بقوله تعالى: "والشمس وضحاها"، ثم "والقمر إذا تلاها"، ثم "والنهار إذا جلاها"، وبعدها "والليل إذا يغشاها".

«والليل إذا يغشاها»..

عندما يغطي الليل الشمس ويستر ضوءها

تتضمن سورة الشمس مجموعة من الآيات التي تقسم بمظاهر عظيمة من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى في الكون، فتبدأ بقوله تعالى: “والشمس وضحاها”، ثم “والقمر إذا تلاها”، ثم “والنهار إذا جلاها”، وبعدها “والليل إذا يغشاها”. وتأتي هذه الأقسام المتتابعة في سياق بديع يلفت نظر الإنسان إلى آيات الله في الكون، وإلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

ومن الكلمات التي تستوقف القارئ في هذه السورة كلمة “يغشاها” في قوله تعالى: “والليل إذا يغشاها”، فما معنى هذه الكلمة؟ وإلى ماذا يعود الضمير في “يغشاها”؟ وما العلاقة بين الليل والشمس في هذه الآية؟

معنى كلمة يغشاها في اللغة

كلمة “يغشاها” مشتقة من الفعل “غشي”، والغشي في اللغة يدل على التغطية والستر والإحاطة. يقال: غشي الشيء الشيء، أي غطاه وستره وأحاط به. ومن هذا المعنى جاءت كلمة “غشاوة”، وهي ما يغطي الشيء ويستره.

وبناء على ذلك، فإن معنى “والليل إذا يغشاها” هو: والليل إذا يغطي الشمس ويستر ضوءها. وهذا هو المعنى الذي ذكره عدد من كبار المفسرين، ومنهم الإمام الطبري، الذي فسر الآية بأن الليل يغشى الشمس حتى تغيب، فتظلم الآفاق.

وبعبارة أكثر وضوحا، فإن “يغشاها” تعني “يغطيها ويستر ضوءها”، والمقصود أن الليل يأتي بعد النهار، فتغيب الشمس ويحل الظلام، فيتغير وجه الكون وتنتقل الأرض من حال النور إلى حال السكون والظلمة.

إلى ماذا يعود الضمير في “يغشاها”؟

اختلف المفسرون في عود الضمير في كلمة “يغشاها”، فذهب جمهور من أهل التفسير إلى أنه يعود إلى الشمس، فيكون المعنى: والليل إذا يغشى الشمس ويغطي ضوءها عند غروبها.

وهذا القول يتناسب بصورة واضحة مع سياق الآيات السابقة، فقد قال الله تعالى: “والقمر إذا تلاها”، ثم قال: “والنهار إذا جلاها”، ثم قال: “والليل إذا يغشاها”. ولذلك يرى عدد من المفسرين أن الضمير في “يغشاها” يعود إلى الشمس، لأن الكلام بدأ بالقسم بالشمس، ثم ذكر ما يتصل بها من القمر والنهار والليل.

وقيل إن الضمير يعود إلى الأرض أو الدنيا، بمعنى أن الليل يغطي الأرض أو الدنيا بظلامه. إلا أن عود الضمير إلى الشمس هو القول الذي تؤيده دلالة السياق بصورة قوية، خاصة أن الآية السابقة قالت: “والنهار إذا جلاها”، فجاء ذكر الليل في مقابل النهار.

لماذا قال الله “يغشاها”؟

اختيار لفظ “يغشاها” يحمل دلالة تصويرية بديعة، فالمعنى لا يقتصر على مجرد مجيء الليل، وإنما يصور الليل وكأنه يغطي الشمس ويستر ضوءها.

وعندما يتأمل الإنسان المشهد الذي تصفه الآية، يجد أن النهار يكون وقت ظهور الضوء وانتشاره، ثم يبدأ الليل في الحلول تدريجيا مع غروب الشمس، فيختفي ضوؤها عن الأرض، ويغطي الظلام الآفاق.

ولهذا قال الإمام الطبري إن معنى الآية أن الليل يغشى الشمس حتى تغيب، فتظلم الآفاق. وذكر البغوي المعنى نفسه، فقال إن الليل يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق.

العلاقة بين “جلاها” و”يغشاها”

من جمال التعبير القرآني في سورة الشمس أن الآيتين الثالثة والرابعة جاءتا متقابلتين في المعنى، فقال الله تعالى: “والنهار إذا جلاها”، ثم قال: “والليل إذا يغشاها”.

فالفعل “جلاها” يدل على الكشف والإظهار، بينما “يغشاها” يدل على الستر والتغطية. وبذلك يرسم القرآن أمام القارئ صورتين متعاقبتين: صورة النهار حين يظهر نور الشمس ويكشفها، وصورة الليل حين يغطيها ويستر ضوءها.

وهذا التناسق بين الألفاظ والمعاني من روائع التعبير القرآني، حيث اختير لكل مشهد اللفظ الذي يناسبه. وقد أشار التفسير الوسيط إلى أن ذكر “جلاها” مع النهار و”يغشاها” مع الليل يتناسب مع طبيعة كل منهما بالنسبة إلى الشمس.

هل المقصود أن الليل يغطي الشمس حقيقة؟

عند تفسير الآية ينبغي فهم التعبير القرآني في ضوء أساليب اللغة العربية، فالقول بأن الليل يغشى الشمس لا يعني أن الليل جسم مستقل يصعد إلى الشمس ويغطيها، وإنما هو تصوير لحالة غياب الشمس عن الأرض وحلول الظلام.

وقد تناول ابن عاشور هذا المعنى، موضحا أن الغشي هو التغطية، وأن إسناد الغشي إلى الليل من قبيل الإسناد إلى الزمن أو السبب، بينما حقيقة الظاهرة مرتبطة بتعاقب الليل والنهار.

وهذا يبين دقة القرآن الكريم في التعبير عن الظواهر الكونية بأسلوب يفهمه الإنسان، ويجمع في الوقت نفسه بين جمال الصورة وقوة الدلالة.

ماذا نتعلم من الآية؟

لا تقتصر آية “والليل إذا يغشاها” على بيان معنى الليل أو وصف تعاقب الليل والنهار، وإنما تأتي ضمن مجموعة من الأقسام التي تلفت الإنسان إلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

فالله يقسم بالشمس وضحاها، وبالقمر، وبالنهار، وبالليل، ثم ينتقل السياق إلى السماء والأرض والنفس البشرية. وهذا الانتقال يجعل الإنسان يتأمل في الكون من حوله، ثم يتأمل في نفسه وما أودع الله فيها من القدرة على معرفة الخير والشر.

وبعد هذه الأقسام يأتي قوله تعالى: “قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”، ليبين أن المقصود ليس مجرد التأمل في مظاهر الكون، وإنما الوصول إلى الإيمان بعظمة الله، وإدراك مسؤولية الإنسان عن تزكية نفسه وإصلاحها.

فمعنى كلمة “يغشاها” في قوله تعالى: “والليل إذا يغشاها” هو يغطيها ويستر ضوءها، والمقصود بالضمير في الأشهر عند المفسرين هو الشمس، أي أن الله سبحانه وتعالى يقسم بالليل حين يأتي فيغطي الشمس بظلامه عند غروبها، فتظلم الآفاق.

وتبرز الآية في الوقت نفسه جمال المقابلة بين “جلاها” و”يغشاها”، فالشمس تظهر في النهار ويكشف النهار ضوءها، ثم يأتي الليل فيستر ضوءها، في مشهد متكرر يدل على دقة النظام الكوني وعظمة قدرة الله سبحانه وتعالى.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
سورة التوبة..
تعد سورة التوبة من السور المدنية التي تناولت عددا من القضايا المهمة التي واجهها المجتمع المسلم في المدينة...
المزيد »
«فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا»..
تعد قصة أصحاب الكهف من القصص القرآنية التي تجمع بين العبرة الإيمانية والدقة البالغة في التعبير، فقد عرض...
المزيد »
«يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر»..
تعد آيات تحريم الخمر من الآيات العظيمة التي كشفت موقف الإسلام من كل ما يفسد عقل الإنسان ويضر بدينه ودنياه،...
المزيد »
البصيرة في الإسلام..
تعد البصيرة من أعظم المعاني التي دعا إليها الإسلام، فهي ليست مجرد معرفة بالمعلومات أو القدرة على إدراك...
المزيد »
من جمال الكلمة إلى نور الهداية..
ارتبط الأدب منذ القدم بقدرة الكلمة على التأثير في النفوس وتشكيل الوعي والتعبير عن المشاعر والأفكار. والكلمة...
المزيد »
المأمون والإمام أحمد..
في العاشر من أغسطس سنة 833م، الموافق سنة 218هـ، توفي الخليفة العباسي عبد الله المأمون في بلاد الروم،...
المزيد »
تحولات المجتمع واختبار الأخلاق..
تحتل الأخلاق مكانة أساسية في حياة الإنسان، فهي الإطار الذي ينظم علاقته بنفسه وبأسرته ومجتمعه، وتحدد طبيعة...
المزيد »
إخراج القيمة في الزكاة..
الزكاة من أعظم العبادات المالية في الإسلام، وقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكامها وتفصيل مسائلها، ومن المسائل...
المزيد »
المنهج الدعوي عند الصحابة
يمثل عصر الصحابة رضي الله عنهم مرحلة مهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد شهد انتشار الإسلام من شبه الجزيرة...
المزيد »
التيارات الفكرية بين الانفتاح الثقافي والثوابت الدينية
يشهد العالم المعاصر انفتاحا ثقافيا واسعا بفعل التطور الكبير في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، حتى...
المزيد »
القياس في أصول الفقه..
يعد القياس من أهم الأدلة التي اعتمد عليها علماء أصول الفقه في استنباط الأحكام الشرعية للوقائع التي لم...
المزيد »
فقه الواقع وأهميته في نجاح الداعية المعاصر
من العلوم والمعارف المهمة التي يحتاج إليها الداعية في عصرنا الحاضر فقه الواقع، إذ لم تعد الدعوة تقتصر...
المزيد »
الخطابة..
الخطابة من أقدم فنون التواصل التي عرفها الإنسان، ومن أكثرها قدرة على التأثير في العقول والمشاعر وتوجيه...
المزيد »
شبهة تعدد الزوجات..
تعد شبهة تعدد الزوجات من أكثر الشبهات التي تتكرر عند الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، إذ يذهب بعض المنتقدين...
المزيد »
الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان..
تعد القواعد الفقهية من أهم العلوم التي تكشف عن سعة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب مختلف الوقائع والأحوال،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك