![]()
«يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر»..
حوادث ومشاجرات مهدت للحكم الإلهي
«يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر»..
حوادث ومشاجرات مهدت للحكم الإلهي
تعد آيات تحريم الخمر من الآيات العظيمة التي كشفت موقف الإسلام من كل ما يفسد عقل الإنسان ويضر بدينه ودنياه، وجاء تحريم الخمر في القرآن الكريم على مراحل متدرجة، حتى نزل الحكم النهائي القاطع في سورة المائدة، حيث قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”.
وقد ارتبط نزول هذه الآية بما وقع بين المسلمين من آثار شرب الخمر، وما ترتب عليها من خصومات وعداوات وصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فجاء القرآن الكريم ليحسم الأمر، ويأمر المؤمنين باجتناب الخمر والميسر اجتنابا كاملا.
الخمر في المجتمع قبل التحريم
كانت الخمر معروفة وشائعة عند العرب قبل الإسلام، وكانت جزءا من عادات اجتماعية متوارثة، حتى إن بعض الناس كانوا يتفاخرون بشربها وبمجالسها. ومع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، لم ينزل تحريم الخمر بصورة مفاجئة، وإنما عالج القرآن هذه العادة بالتدرج، مراعاة لأحوال الناس واستعدادهم النفسي للتغيير.
وفي بداية الأمر، بين القرآن أن الخمر والميسر لهما بعض المنافع الدنيوية، لكن إثمهما أكبر من نفعهما، فقال تعالى: “يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما”.
ثم جاء توجيه آخر يتعلق بالصلاة، عندما نهى الله سبحانه وتعالى عن قربان الصلاة حال السكر، فقال: “يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون”. وكان ذلك تمهيدا للحكم النهائي الذي جاء بتحريم الخمر والميسر.
ما سبب نزول آية التحريم النهائي؟
وردت في كتب التفسير والسيرة روايات متعددة في الأسباب والوقائع التي صاحبت نزول آيات تحريم الخمر، ومن أشهرها ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رجلا من الأنصار دعاه وبعض الصحابة إلى طعام، فشربوا الخمر قبل أن تحرم، ثم حضرت الصلاة، فقدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ قراءة أخطأ فيها بسبب السكر، فنزلت آية النهي عن الصلاة حال السكر.
كما وردت روايات أخرى تشير إلى وقوع خصومة ومشاجرة بين بعض الصحابة بسبب الخمر، ومن ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، حيث وقعت مشادة في مجلس شرب، فأصيب سعد في رأسه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزلت آيات تحريم الخمر.
وتتفق هذه الروايات في مضمونها العام على أن الخمر كانت تؤدي إلى نتائج خطيرة، من بينها فقدان الإنسان السيطرة على نفسه، ووقوع الخصومات بين الناس، والتأثير في الصلاة والذكر، وهو ما كشف خطورة هذه العادة على الفرد والمجتمع.
الآية تحسم الموقف من الخمر
عندما نزل قول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”، جاء الحكم واضحا وحاسما.
ولم تكتف الآية بوصف الخمر بأنها محرمة، بل وصفتها بأنها “رجس من عمل الشيطان”، ثم جاء الأمر الإلهي: “فاجتنبوه”، وهو تعبير يدل على الابتعاد الكامل عنها وعدم الاقتراب منها.
وجمع الله سبحانه وتعالى في الآية بين الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، لأنها جميعا من الأمور التي ترتبط بالباطل وتؤدي إلى إفساد العقيدة والسلوك والمجتمع.
الخمر سبب للعداوة والصد عن ذكر الله
أوضحت الآيات التالية الحكمة من تحريم الخمر والميسر، فقال تعالى: “إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون”.
وهنا يكشف القرآن الآثار الاجتماعية والدينية للخمر، فهي لا تقف عند إضرار الإنسان بعقله وجسده، وإنما قد تؤدي إلى النزاع والخصومة وقطع العلاقات بين الناس.
كما أن السكر يضعف قدرة الإنسان على ضبط تصرفاته، وقد يدفعه إلى قول أو فعل يندم عليه بعد زوال تأثير الخمر. ولذلك كان من آثارها أيضا أنها تصرف الإنسان عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي من أعظم العبادات في الإسلام.
موقف الصحابة بعد نزول التحريم
كان موقف الصحابة من الحكم القرآني دليلا واضحا على سرعة استجابتهم لأمر الله تعالى، فعندما بلغهم التحريم النهائي للخمر، تركوها امتثالا لأمر الله، ولم يبحثوا عن مبررات للاستمرار فيها.
وتذكر الروايات أن من كان عنده خمر أراقها، حتى أصبحت شوارع المدينة شاهدة على سرعة استجابة المسلمين للحكم الشرعي. ولم يكن ذلك مجرد تغيير في عادة اجتماعية، بل كان تحولا عميقا في سلوك المجتمع نتيجة الإيمان والامتثال.
الدرس المستفاد من قصة التحريم
تكشف قصة تحريم الخمر عن جانب مهم من منهج القرآن في إصلاح المجتمع، وهو معالجة المشكلات بصورة تراعي طبيعة الإنسان، ثم الوصول إلى الحكم الذي يحقق المصلحة ويحمي الفرد والمجتمع.
كما تؤكد الآيات أن تحريم الخمر لم يكن بلا حكمة، وإنما جاء لحماية العقل والدين والنفس والمجتمع، ومنع الأسباب التي تؤدي إلى العداوة والبغضاء والابتعاد عن الصلاة وذكر الله.
وهكذا جاء قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر…” خاتمة لمسار قرآني متدرج في التعامل مع الخمر، وانتهى بأمر واضح لا لبس فيه: “فاجتنبوه لعلكم تفلحون”، ليكون اجتناب الخمر طريقا إلى الفلاح، وحماية للإنسان من أضرارها الدينية والاجتماعية والأخلاقية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخمر, القرآن الكريم, النبي صلى الله عليه وسلم, سعد بن أبي وقاص, سورة المائدة, علي بن أبي طالب



