الاستغفار في المجالس وخواتيم اللقاءات..

ذكر يسير يمحو الزلل ويجبر التقصير

تعد المجالس واللقاءات من أكثر المواطن التي تتكرر في حياة الإنسان، سواء كانت مجالس عائلية أو اجتماعية أو علمية أو عملية، وقد جاءت السنة النبوية بتوجيهات عظيمة تحفظ لهذه المجالس آدابها، وتعين المسلم على أن...
الاستغفار في المجالس وخواتيم اللقاءات..

الاستغفار في المجالس وخواتيم اللقاءات..

ذكر يسير يمحو الزلل ويجبر التقصير

تعد المجالس واللقاءات من أكثر المواطن التي تتكرر في حياة الإنسان، سواء كانت مجالس عائلية أو اجتماعية أو علمية أو عملية، وقد جاءت السنة النبوية بتوجيهات عظيمة تحفظ لهذه المجالس آدابها، وتعين المسلم على أن يجعل لقاءاته عامرة بالخير والذكر، ومن أبرز هذه السنن التي يغفل عنها كثير من الناس سنة الاستغفار في ختام المجالس.

وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان مهما اجتهد في حديثه وعمله، فإنه قد يقع في كلام لا يليق، أو ينشغل عن ذكر الله، أو يصدر منه تقصير من حيث لا يشعر، ولذلك شرع له أن يختم مجلسه بالاستغفار والدعاء، حتى يكون ختام اللقاء جابرا لما وقع فيه من تقصير.

حديث كفارة المجلس

ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك”.

ويكشف هذا الحديث عن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، فقد أرشد إلى ذكر يسير لا يستغرق سوى لحظات، لكنه يحمل معاني عظيمة من التوحيد والتنزيه والاستغفار والتوبة.

وتعرف هذه الصيغة باسم “كفارة المجلس”، وهي سنة نبوية يستحب للمسلم أن يحرص عليها عند انتهاء مجلسه، خاصة إذا تخلل المجلس حديث كثير أو لغو أو ما قد يندم الإنسان عليه بعد انصرافه.

لماذا شرع الاستغفار في نهاية المجلس؟

الاستغفار في ختام المجلس ليس مجرد عادة لفظية، وإنما يحمل دلالات تربوية وإيمانية عميقة. فالإنسان قد يجلس ساعات يتحدث مع الآخرين، وخلال هذا الوقت قد يقع في الغيبة أو المزاح الزائد أو نقل الكلام أو الحديث فيما لا يعنيه، وقد يضيع جزء من وقته فيما لا فائدة فيه.

ومن هنا تأتي كفارة المجلس لتذكر المسلم بأن كلامه محسوب، وأن وقته أمانة، وأن المؤمن لا ينبغي أن يستهين بما يصدر عنه من أقوال.

كما أن الاستغفار يربي المسلم على مراجعة نفسه باستمرار، فلا يغادر المجلس وهو معجب بكلامه أو غافل عن تقصيره، وإنما يختم لقاءه بالاعتراف بفضل الله، وطلب مغفرته، وإظهار الافتقار إليه سبحانه.

سنة مهجورة في الحياة اليومية

رغم سهولة هذه السنة وقصرها، فإنها قد تغيب عن كثير من المجالس اليومية. فقد ينتهي اللقاء فجأة، ويتبادل الحاضرون عبارات الوداع، ثم ينصرف كل شخص إلى شأنه، دون أن يتذكر أحد أن يختم المجلس بكفارة المجلس.

وقد يكون من أسباب ذلك عدم معرفة البعض بهذه السنة، أو ارتباطها في أذهانهم بالمجالس الدينية فقط، بينما هي سنة عامة يمكن للمسلم أن يعمل بها في مختلف مجالسه، ما دام قد اجتمع مع الآخرين في حديث أو لقاء.

فيمكن قولها بعد الجلسات العائلية، وبعد لقاء الأصدقاء، وبعد الاجتماعات، وبعد المجالس العلمية، بل وعند انتهاء أي لقاء كان فيه حديث وتفاعل بين الحاضرين.

الاستغفار يعالج آفة اللغو

من أبرز المعاني التي يلفت إليها حديث كفارة المجلس قوله صلى الله عليه وسلم: “فكثر فيه لغطه”، واللغط هو الكلام الذي لا فائدة فيه، وما قد يختلط به من أمور لا تليق.

وهذا المعنى مهم في زمن كثرت فيه المجالس وتعددت وسائل التواصل، وأصبح الكلام متاحا بصورة غير مسبوقة. فقد يجلس الإنسان مع الآخرين ويتحدث في شؤون كثيرة، وقد ينتقل الحديث من موضوع إلى آخر، وربما يقع في نقل خبر غير متثبت منه أو التعليق على الآخرين أو الخوض في أمور لا تعنيه.

ولهذا فإن ختم المجلس بالاستغفار يمثل وقفة قصيرة مع النفس، يراجع فيها الإنسان ما قاله، ويطلب من الله أن يتجاوز عن زلله وتقصيره.

بين الاستغفار والتوبة

تتضمن كفارة المجلس معاني متكاملة، فهي تبدأ بقول المسلم: “سبحانك اللهم وبحمدك”، وفيها تنزيه لله سبحانه وتعالى وإقرار بحمده، ثم يقول: “أشهد أن لا إله إلا أنت”، فيجدد معنى التوحيد والإخلاص، ثم يقول: “أستغفرك وأتوب إليك”، فيجمع بين طلب المغفرة والرجوع إلى الله.

وهذا الجمع بين الاستغفار والتوبة مهم، لأن الاستغفار طلب للمغفرة، أما التوبة فهي رجوع إلى الله وندم على التقصير وعزم على عدم العودة إلى الذنب.

ومن جمال السنة أنها تجعل هذا الدعاء في نهاية المجلس، حتى يعتاد المسلم أن تكون له وقفة إيمانية قصيرة بعد كل لقاء.

لا ينبغي أن تتحول السنة إلى مجرد كلمات

مع أهمية ترديد كفارة المجلس، فإن المقصود ليس أن تتحول إلى كلمات تقال باللسان فقط، بينما يستمر الإنسان في الأخطاء نفسها دون مراجعة أو إصلاح.

فالاستغفار الحقيقي ينبغي أن يدفع صاحبه إلى الانتباه إلى كلامه، وحفظ لسانه، والابتعاد عن الغيبة والنميمة والسخرية، وعدم الخوض في أعراض الناس أو نقل الأخبار دون تثبت.

وإذا كان الإنسان قد وقع بالفعل في خطأ يتعلق بحق شخص آخر، فإن الاستغفار وحده لا يعني إسقاط حقوق العباد، بل ينبغي معالجة الخطأ بحسب حاله، ورد الحقوق إلى أصحابها، والاعتذار عند الحاجة، مع التوبة إلى الله تعالى.

إحياء السنة داخل الأسرة والمجتمع

يمكن أن تكون الأسرة بيئة مهمة لإحياء هذه السنة وتعليمها للأبناء. فعندما ينتهي مجلس عائلي ويحرص أحد الوالدين على قول كفارة المجلس، فإن الأطفال يتعلمونها بالممارسة قبل أن يتعلموها بالحفظ.

كما يمكن للأصدقاء أن يتواصوا بها دون تكلف، فيعتادون ختم لقاءاتهم بهذا الذكر المبارك، فتتحول السنة من معلومة في الكتب إلى ممارسة حاضرة في الحياة.

ولا يحتاج إحياء هذه السنة إلى خطب طويلة أو مقدمات، بل يكفي أن يقول أحد الحاضرين الدعاء في نهاية المجلس، فيتبعه الآخرون.

ختام اللقاء فرصة للعودة إلى الله

إن نهاية المجلس ليست مجرد لحظة للانصراف، بل يمكن أن تكون فرصة لاستحضار مراقبة الله وتجديد الصلة به. فكما يحرص الإنسان على أن يغادر المكان بصورة طيبة في نظر الآخرين، ينبغي أن يحرص كذلك على أن يختم مجلسه بذكر الله والاستغفار.

وسنة كفارة المجلس تعلم المسلم أن يراجع نفسه بعد كل لقاء، وأن يعترف بتقصيره، وألا يغتر بكثرة كلامه أو حسن ظنه بعمله، بل يسأل الله دائما المغفرة والقبول.

ومن أجمل ما يحرص عليه المسلم أن يجعل هذا الدعاء عادة ثابتة في ختام مجالسه: “سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك”.

فهو ذكر قصير، ومعناه عظيم، وسنة نبوية تجمع بين التوحيد والحمد والاستغفار والتوبة، وتمنح المسلم فرصة لأن يختم لقاءه بذكر الله، راجيا أن يغفر الله له ما وقع في مجلسه من تقصير أو لغو، وأن يجعل مجالسه شاهدة له بالخير لا عليه.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
من هزيمة الخزندار إلى نصر شقحب..
لم تكن معركة وادي الخزندار عام 1299 مجرد مواجهة عسكرية انتهت بانسحاب الجيش المملوكي أمام المغول، وإنما...
المزيد »
قلعة أرداهان..
في شمال شرقي تركيا، تقف قلعة أرداهان شامخة فوق موقعها المميز، شاهدة على قرون طويلة من التاريخ، ومتحولة...
المزيد »
«اللهم ابتله بمصيبتي»..
تحمل كتب التراث كثيرا من القصص التي تسلط الضوء على علاقة الحاكم بالمحكوم، وتكشف أن العدل لا يقاس فقط...
المزيد »
حادثة الفيل..
تعد حادثة أصحاب الفيل من أبرز الأحداث التي ارتبطت بتاريخ مكة المكرمة قبيل مولد النبي محمد ﷺ، وقد تركت...
المزيد »
رحمة النبي ﷺ بالأطفال والضعفاء..
كانت الرحمة من أبرز السمات التي ميزت شخصية النبي محمد ﷺ، فلم تكن الرحمة في سيرته مجرد معنى نظري أو شعار...
المزيد »
«اختلاف أمتي رحمة»..
تنتشر بين المسلمين عبارات كثيرة ترتبط بالدين والسنة النبوية، ويجري تداول بعضها على أنها أحاديث عن النبي...
المزيد »
علم الحديث بين الرواية والدراية..
علم الحديث من أجل العلوم الإسلامية وأهمها، لما له من صلة مباشرة بحفظ السنة النبوية ونقلها وفهمها، فهي...
المزيد »
اللام الصامتة والناطقة..
من عجائب هذه اللغة التي حملت كتاب الله، أن حرفًا واحدًا لا يتجاوز رسمه خطًّا صغيرًا، هو لام التعريف،...
المزيد »
سورة التوبة..
تعد سورة التوبة من السور المدنية التي تناولت عددا من القضايا المهمة التي واجهها المجتمع المسلم في المدينة...
المزيد »
«فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا»..
تعد قصة أصحاب الكهف من القصص القرآنية التي تجمع بين العبرة الإيمانية والدقة البالغة في التعبير، فقد عرض...
المزيد »
«والليل إذا يغشاها»..
تتضمن سورة الشمس مجموعة من الآيات التي تقسم بمظاهر عظيمة من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى في الكون، فتبدأ...
المزيد »
«يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر»..
تعد آيات تحريم الخمر من الآيات العظيمة التي كشفت موقف الإسلام من كل ما يفسد عقل الإنسان ويضر بدينه ودنياه،...
المزيد »
البصيرة في الإسلام..
تعد البصيرة من أعظم المعاني التي دعا إليها الإسلام، فهي ليست مجرد معرفة بالمعلومات أو القدرة على إدراك...
المزيد »
من جمال الكلمة إلى نور الهداية..
ارتبط الأدب منذ القدم بقدرة الكلمة على التأثير في النفوس وتشكيل الوعي والتعبير عن المشاعر والأفكار. والكلمة...
المزيد »
المأمون والإمام أحمد..
في العاشر من أغسطس سنة 833م، الموافق سنة 218هـ، توفي الخليفة العباسي عبد الله المأمون في بلاد الروم،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك