اللام الصامتة والناطقة..

نظام صوتي بميزان لا يحتمل الخطأ

من عجائب هذه اللغة التي حملت كتاب الله، أن حرفًا واحدًا لا يتجاوز رسمه خطًّا صغيرًا، هو لام التعريف، يختبئ خلفه نظامٌ صوتيّ دقيق، يحكم نطق كل كلمة معرّفة في القرآن الكريم، ويضبط ألسنة القرّاء...
اللام الصامتة والناطقة..

اللام الصامتة والناطقة..

نظام صوتي بميزان لا يحتمل الخطأ

من عجائب هذه اللغة التي حملت كتاب الله، أن حرفًا واحدًا لا يتجاوز رسمه خطًّا صغيرًا، هو لام التعريف، يختبئ خلفه نظامٌ صوتيّ دقيق، يحكم نطق كل كلمة معرّفة في القرآن الكريم، ويضبط ألسنة القرّاء منذ خمسة عشر قرنًا بميزانٍ لا يحتمل الخطأ. فحين تقرأ “الشمس” تلفظها بغير اللام التي تراها مكتوبة، وحين تقرأ “القمر” تنطق تلك اللام كاملة واضحة، وكأن الكلمتين اللتين ضُرب بهما المثل في هذا الباب تحملان في ذاتيهما سرّ القاعدة التي سُمّيت باسمهما، فصار علماء التجويد يتحدثون عن “اللام الشمسية” و”اللام القمرية” وكأنهما شمسٌ وقمرٌ حقيقيان يتعاقبان على حروف الهجاء، يُخفي أحدهما اللام في ضيائه، ويُبقيها الآخر ظاهرة في صفائه.

اللام الشمسية:

سُمّيت هذه اللام “شمسية” لأنها إذا دخلت على كلمة تبدأ بأحد أربعة عشر حرفًا مخصوصًا، فإنها لا تُنطق البتة، بل تندغم في الحرف الذي يليها إدغامًا كاملًا، حتى يصبح ذلك الحرف مشدّدًا، وكأن اللام ذابت فيه ذوبان الشيء في مثيله، تمامًا كما تختفي الشمس ذاتها خلف الأفق فلا تُرى، وإن كان أثر نورها باقيًا. وهذه الحروف الأربعة عشر هي: الطاء، والثاء، والصاد، والراء، والتاء، والضاد، والذال، والنون، والدال، والسين، والظاء، والزاي، والشين، واللام، وقد جمعها العلماء في أوائل كلمات بيتٍ يسهل حفظه، تيسيرًا على المتعلم. والسرّ في هذا الإدغام أن هذه الحروف جميعها تخرج من مخارج قريبة من مخرج اللام، أو تشترك معها في صفات صوتية متقاربة، فثقُل على اللسان العربي أن يُظهر اللام ثم ينتقل منها مباشرة إلى حرفٍ يُشبهها في المخرج أو الصفة، فآثر الإدغام تخفيفًا وانسيابًا، وهذا ما نلمسه حين ننطق “الشمس” فتخرج الشين مشدّدة دون أن نسمع للام أثرًا، وكذلك “الرحمن” و”التوابون” و”الدين”، في كل هذه الكلمات تغيب اللام بصريًا في الرسم، لكنها تختفي سمعيًا في النطق اختفاءً تامًا.

اللام القمرية:

أما إذا دخلت لام التعريف على أحد الحروف الأربعة عشر الباقية من حروف الهجاء، فإنها تُظهَر إظهارًا كاملًا، وتُنطق واضحة جليّة، لا تندغم في شيء ولا تذوب في غيرها، فسُمّيت لهذا “قمرية”، لأن القمر يظل ظاهرًا للعين مهما بدا في السماء، بخلاف الشمس التي قد يحجبها الأفق عن البصر. وهذه الحروف هي: الهمزة، والباء، والغين، والحاء، والجيم، والكاف، والواو، والخاء، والفاء، والعين، والقاف، والياء، والميم، والهاء، وقد جُمعت أوائلها في عبارة “ابغِ حجّك وخف عقيمه” تيسيرًا على الحفظ كذلك. والسبب في هذا الإظهار أن هذه الحروف تخرج من مخارج بعيدة عن مخرج اللام، فلم يجد اللسان مشقّة في نطق اللام كاملة ثم الانتقال منها إلى الحرف الذي يليها، فبقيت اللام على أصلها الصوتي في مثل “القمر” و”الحمد” و”الكتاب”، حيث تسمع اللام رنينها الواضح قبل أن ينتقل اللسان إلى الحرف التالي دون أي إدغام أو تشديد.

أثر هذه القاعدة في ضبط التلاوة

ولعلّ سائلًا يسأل: وما الحكمة من أن يُعنى علم التجويد بمثل هذا التفصيل الدقيق؟ والجواب أن القرآن الكريم نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، وأن حفظ أدائه كما تلقّاه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقّاه التابعون عنهم، جيلًا بعد جيل، هو من صميم حفظ النص ذاته، إذ لا ينفصل المعنى عن مبناه، ولا يستقيم الأداء دون ضبط مخارج الحروف وصفاتها. فحين يُدغم القارئ اللام الشمسية موافقةً لما استقرّ عليه اللسان العربي الفصيح، وحين يُظهر اللام القمرية كذلك، فإنما يحافظ على تلك الموسيقى الصوتية التي ميّزت أداء القرآن عن سائر الكلام، ويصون في الوقت ذاته سلامة اللسان من اللحن الذي قد يُدخل على الكلمة ثقلًا ليس من طبيعتها، أو خفّة ليست من أصلها. وهكذا يظل هذا الباب من أبواب التجويد شاهدًا على أن كل حرفٍ في هذا الكتاب، ظاهرًا كان أو مضمرًا في النطق، له حكمه الذي لا يُترك للتخمين، ولا يُقاس بالهوى، بل يُتلقّى بالسند والرواية كما تُلقّي الأجيال بعضها بعضًا شعلة النور ذاتها.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«درهم وقاية خير من قنطار علاج»..
ويعبر هذا المثل عن قيمة الاستعداد المبكر، واتخاذ الإجراءات الاحترازية، وعدم انتظار ظهور الخطر حتى نبدأ...
المزيد »
رفق النبي ﷺ..
لم يكن الرفق في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مجرد صفة أخلاقية تزين التعامل مع الآخرين، بل كان منهجا...
المزيد »
الذكر عقب الصلوات..
يحرص كثير من المسلمين على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، لكن بعضهم يغادر المسجد عقب التسليم مباشرة،...
المزيد »
الإسناد.. خصيصة الأمة الإسلامية في نقل الأخبار وحفظ التراث
يعد الإسناد من أبرز المناهج العلمية التي تميزت بها الحضارة الإسلامية في توثيق الأخبار ونقل المعارف، إذ...
المزيد »
سورة يونس.. سبب تسميتها وأبرز موضوعاتها ومقاصدها الإيمانية
تحتل سورة يونس مكانة بارزة بين سور القرآن الكريم، لما تتضمنه من آيات تؤكد وحدانية الله تعالى، وتثبت صدق...
المزيد »
توالي الضمات.. كيف يستقيم صوت التلاوة بين الشفتين؟
في تلاوة القرآن الكريم، لا تأتي الحركات لتكون علاماتٍ صامتة فوق الحروف أو تحتها، وإنما هي جزء أصيل من...
المزيد »
«ذو سعة من سعته»..
يرسم القرآن الكريم منهجا متوازنا في تنظيم العلاقات الأسرية، يقوم على العدل ومراعاة الأحوال المادية، فلا...
المزيد »
«مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها»..
تقدم الآيات القرآنية أمثالا بليغة تكشف أحوال الإنسان، وتوضح الفارق بين امتلاك المعرفة والانتفاع بها في...
المزيد »
«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»..
ارتبط نزول قوله تعالى «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» بأحد أبرز أحداث غزوة بدر الكبرى، حين واجه المسلمون...
المزيد »
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك