![]()
البراء بن مالك بطولة نادرة في أخطر معارك الردة
بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجه المسلمون مرحلة شديدة الصعوبة، إذ ظهرت حركات الردة في عدد من مناطق الجزيرة العربية، وبرز مدعون للنبوة حاولوا استغلال الظروف الجديدة لإحداث انقسام خطير داخل المجتمع الإسلامي.
وكان من أخطر هؤلاء مسيلمة الكذاب، الذي ادعى النبوة واجتمع حوله عدد كبير من قومه بني حنيفة، وتحول أتباعه إلى قوة كبيرة تهدد استقرار المسلمين وتفرض على الدولة الناشئة مواجهة عسكرية حاسمة.
وأمام هذا الخطر، أرسل الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمامة، حيث وقعت واحدة من أشد المعارك التي خاضها المسلمون في حروب الردة.
معركة اشتد فيها القتال وتراجع المسلمون
التقى جيش المسلمين بجيش مسيلمة، وكانت المواجهة عنيفة منذ بدايتها، خاصة مع ضخامة عدد أتباع مسيلمة واستعدادهم للقتال دفاعا عن قائدهم.
وشهدت أرض المعركة لحظات عصيبة، إذ اشتد الضغط على المسلمين، وتراجع بعضهم أمام شدة القتال، وأصبح الموقف بحاجة إلى ثبات كبير يعيد للمقاتلين روح المبادرة ويقلب مسار المواجهة.
وفي تلك اللحظات ظهر البراء بن مالك رضي الله عنه، شقيق الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه، وكان من المعروفين بالشجاعة والإقدام وقوة العزيمة.
ومع استمرار القتال، تمكن المسلمون تدريجيا من استعادة زمام المبادرة، وبدأ أصحاب مسيلمة في التراجع أمام تقدم المسلمين، حتى لجأوا إلى حديقة محصنة عرفت في كتب التاريخ باسم حديقة الموت.
حديقة الموت تتحول إلى حصن مغلق
كانت الحديقة محاطة بجدران مرتفعة، وأغلق أصحاب مسيلمة أبوابها عليهم، ودخل مسيلمة نفسه إلى داخلها، فتحولت المعركة إلى مواجهة جديدة أكثر صعوبة.
أصبح المسلمون خارج الحديقة، بينما تحصن أتباع مسيلمة خلف الأسوار والأبواب المغلقة، وبات الوصول إلى الداخل يحتاج إلى وسيلة استثنائية.
وفي هذه اللحظة تقدم البراء بن مالك رضي الله عنه بموقف يعكس شجاعته وإقدامه، وقال للمسلمين: “يا معشر المسلمين ألقوني إليهم”.
وكان المقصود أن يحملوه فوق ترس ويرفعوه إلى أعلى سور الحديقة، حتى يتمكن من الوصول إلى الداخل وفتح الباب للمسلمين.
البراء يدخل وحيدا بين صفوف الأعداء
حمل المسلمون البراء بن مالك رضي الله عنه، ووضعوه على ترس، ثم رفعوه فوق الرماح حتى وصل إلى أعلى السور، وألقوه إلى داخل الحديقة.
وهنا وجد البراء نفسه وحيدا بين أصحاب مسيلمة، دون جيش يحميه أو طريق مفتوح يستطيع العودة منه، لكنه لم يتراجع، بل نهض وقاتل من حوله، واستمر في التقدم رغم كثرة من أحاطوا به.
وكان هدفه واضحا: الوصول إلى باب الحديقة وفتحه للمسلمين.
وبعد قتال شديد تمكن البراء من الوصول إلى الباب، وفتح الطريق أمام جيش المسلمين، فاندفع المسلمون إلى داخل الحديقة، وبدأت المواجهة الحاسمة مع أتباع مسيلمة.
نهاية مسيلمة داخل حديقة الموت
مع دخول المسلمين إلى الحديقة، اشتد القتال وانتهى الحصن الذي ظن أصحابه أنه سيمنحهم الحماية، ووصل المسلمون إلى مسيلمة الكذاب.
وتذكر الروايات أن وحشي بن حرب رضي الله عنه أصابه بحربته، كما شارك أبو دجانة رضي الله عنه في قتله، لتنتهي بذلك واحدة من أخطر فتن الردة التي واجهت المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن الانتصار في اليمامة لم يكن سهلا، فقد سقط عدد كبير من المسلمين شهداء، وكان من بينهم عدد من كبار الصحابة وحفاظ القرآن، وهو ما جعل المعركة ذات أثر كبير في التفكير بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد خلال عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
جسد البراء حمل آثار المعركة
أما البراء بن مالك رضي الله عنه، فلم يخرج من اليمامة دون ثمن، فقد تعرض لإصابات بالغة خلال المعركة.
وتذكر الروايات أنه أصيب يوم اليمامة ببضع وثمانين جرحا بين رمية بسهم وضربة بسيف أو سلاح، وهو رقم يكشف مدى شدة المواجهة التي خاضها ذلك الصحابي في سبيل الوصول إلى هدفه.
وحمل البراء إلى رحله لتلقي العلاج، واعتنى به خالد بن الوليد رضي الله عنه، وتذكر الرواية أنه أقام عليه شهرا يعالجه حتى شفي من جراحه.
موقف واحد يختصر معنى الشجاعة
تحولت قصة البراء بن مالك في اليمامة إلى واحدة من أشهر المواقف التي تروى عن شجاعة الصحابة وثباتهم في اللحظات الحرجة.
فالمعركة بدأت بمواجهة مفتوحة، ثم اضطر أصحاب مسيلمة إلى الاحتماء داخل حديقة محصنة، وأغلقوا الأبواب ظنا منهم أن الأسوار ستمنحهم الأمان، لكن الباب الذي أغلقوه أصبح في النهاية المدخل الذي فتحه البراء للمسلمين.
وتكشف القصة أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، وإنما تعني القدرة على الثبات عندما تصبح المسؤولية أكبر من الحسابات الشخصية، وأن التاريخ قد يتغير أحيانا بموقف حاسم يتخذه رجل واحد في اللحظة المناسبة.
العبرة من موقف البراء بن مالك
تبقى قصة البراء بن مالك رضي الله عنه في اليمامة تذكيرا بأن النصر لا يرتبط بكثرة العدد وحدها، وإنما بما يقدمه أصحاب المواقف من ثبات وتضحية وإخلاص.
كما تحمل القصة معنى مهما في مواجهة الأزمات، وهو أن الأبواب المغلقة قد تفتح عندما تتوافر الإرادة والشجاعة، وأن موقفا واحدا قد يكون سببا في تغيير مسار مواجهة كاملة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أبو بكر الصديق, البراء بن مالك, الجزيرة العربية, حديقة الموت, خالد بن الوليد, رسول الله ﷺ, مسيلمة الكذّاب



