![]()
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة، بينما يقود الغدر بصاحبه إلى الهوان، مصداقا لقوله تعالى: “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”.
الحاكم والفقهاء في مواجهة صعبة
تروي القصة أن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، عندما تولى الحكم في الأندلس، مال إلى أهل الفسق وارتكب من المنكرات ما دفع عددا من الفقهاء والعلماء إلى إنكار أفعاله.
ولم يكتف العلماء بالصمت، بل أعلنوا موقفهم صراحة، وواجهوه بما يرونه انحرافا عن الحق. وكان رد السلطة شديدا، إذ تعرض عدد منهم للقتل والتعذيب، بينما تمكن آخرون من الهرب والاختفاء خوفا من بطش الحاكم.
وكان من بين هؤلاء الإمام الفقيه طالوت بن عبد الجبار، أحد كبار الفقهاء وتلميذ الإمام مالك، والذي أصبح مطلوبا من قبل السلطة، فاضطر إلى الفرار والبحث عن مكان آمن يحتمي فيه من بطش الحكم.
يهودي يفتح بيته للفقيه الهارب
وجد طالوت ملاذا لدى جار له من اليهود، فاختبأ عنده مدة عام كامل، وخلال تلك الفترة لم يتعامل الرجل معه باعتباره غريبا أو شخصا مطلوبا، بل أحسن إليه وأكرمه، وكان يقوم على خدمته ويرعاه طوال فترة اختفائه.
ومع مرور الأيام، طال على الفقيه اختفاؤه، حتى قرر بعد عام أن يخرج من مخبئه، واستدعى الرجل اليهودي ليشكره على ما قدمه له من معروف وإحسان.
وأخبره أنه عزم على الذهاب إلى الوزير أبي البسام، الذي كان قد قرأ عليه القرآن وتلقى عنه العلم، ويرى أن له عليه حق التعليم وحق الصحبة، فضلا عن مكانته عند الحاكم، آملا أن يتوسط له ويطلب له الأمان.
لكن اليهودي حاول إقناعه بعدم الذهاب، محذرا إياه من بطش الحكم، وأكد له أنه يستطيع أن يبقى في منزله بقية عمره، وأنه لن يمل من إكرامه أو رعايته.
غير أن طالوت أصر على قراره، وخرج ليلا متوجها إلى دار الوزير.
الوزير يخفي الخيانة خلف وعود الأمان
وصل طالوت إلى دار أبي البسام، واستأذن عليه، فأذن له الوزير واستقبله وأجلسه قريبا منه، ثم سأله عن مكان اختفائه طوال تلك الفترة.
قص الفقيه عليه ما حدث معه، وروى له قصة اليهودي الذي آواه وأكرمه، ثم طلب منه أن يشفع له لدى الحكم حتى يؤمنه ويتركه آمنا.
وعده الوزير بذلك، لكنه لم يكن صادقا في وعده. فما إن خرج من عنده حتى توجه إلى الحاكم، وكان ما يحمله في نفسه مختلفا تماما عما أظهره للفقيه.
دخل أبو البسام على الحكم وقال له إنه جاءه بهدية ثمينة، وأخبره أنه تمكن من الوصول إلى طالوت، وقدم الأمر للحاكم باعتباره انتصارا على أحد أبرز معارضيه.
أمر الحكم بإحضار الفقيه على الفور، بينما اشتعل غضبه وانتظر لحظة الانتقام منه.
كلمة صادقة تغير مصير الفقيه
عندما دخل طالوت على الحكم، واجهه الحاكم بغضب شديد، وأعلن أنه كان قد أعد له أشد ألوان العذاب، متهما إياه بأنه تجاوز حدوده وأساء إليه.
لكن الفقيه لم يحاول التملق أو الإنكار، وإنما واجه الموقف بكلمة صادقة، وقال للحاكم إنه لم يبغضه إلا لله، عندما رآه ينحرف عن الحق، وإن موقفه منه لم يكن بدافع شخصي، وإنما التزاما بما يراه واجبا عليه.
كانت هذه الكلمات سببا في تغير الموقف، إذ هدأ غضب الحكم بصورة مفاجئة، وقال لطالوت إن الذي دفعه إلى بغضه قد صرفه عنه، ثم أعلن عفوه عنه وأمره بالانصراف.
وهنا تحول المشهد من لحظة كان فيها الفقيه ينتظر العقوبة إلى موقف نجاة غير متوقع.
انكشاف خيانة الوزير
بعد ذلك سأل الحكم طالوت عن الطريقة التي تمكن بها الوزير من الوصول إليه، فأجابه بأنه ذهب إليه بنفسه، اعتمادا على العلاقة القديمة بينهما، وعلى ما قدمه له من تعليم القرآن والعلم، ظنا منه أنه سيشفع له.
ثم سأله الحاكم عن المكان الذي كان يختبئ فيه قبل ذهابه إلى الوزير، فحدثه طالوت عن اليهودي الذي آواه طوال عام كامل.
عندها أدرك الحكم حجم المفارقة، واستدعى وزيره أبا البسام، وواجهه بما فعل.
وقال له إن يهوديا، رغم اختلاف الدين، أكرم الفقيه وحماه وخاطر من أجله، بينما خان الوزير، الذي تلقى عنه العلم والقرآن، من وثق به وقصده طالبا الحماية.
ولم يكتف الحكم بتوبيخه، بل طرده من الوزارة وضيق عليه في رزقه، بعدما رأى أن ما فعله لا يليق بمن يحمل مسؤولية أو يدعي الصلاح.
نهاية المكر ودعوة الفقيه
مرت السنوات، وظهر أثر ما حدث بصورة واضحة، فقد أصبح الوزير الذي خان طالوت يعيش في الفاقة والذل، وعندما سئل عن سبب ما أصابه، قال إن دعوة الفقيه طالوت قد استجيبت فيه.
وفي المقابل، لم ينس الحكم موقف اليهودي، فكتب له كتابا بالجزية فيما يملك، وزاد في إحسانه إليه، فلما رأى الرجل هذا التعامل وما شهده من عدل، أسلم.
أما طالوت، فظل موضع تقدير لدى الحكم حتى وفاته، وحضر الحاكم جنازته، وأثنى عليه بالصدق والإخلاص والعلم.
العبرة من القصة
تحمل القصة أكثر من معنى، أبرزها أن المكر والخيانة قد يحققان لصاحبهما مكسبا مؤقتا، لكن عاقبتهما قد تنقلب على من ارتكبهما. كما تكشف أن المعروف لا يرتبط دائما بالانتماء أو المصلحة، فقد يجد الإنسان الوفاء ممن لم يتوقعه، ويجد الغدر ممن ظنه أقرب الناس إليه.
وتبقى العبرة الأبرز أن الصدق والثبات على المبدأ قد يكونان سببا في النجاة، وأن الظلم لا يدوم، وأن من يسعى لإيذاء غيره بالمكر قد يجد نفسه في النهاية محاصرا بنتائج ما صنعه بيده.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أبي البسام, الأندلس, الإمام مالك, طالوت بن عبد الجبار, هشام بن عبد الرحمن الداخل



