![]()
عمر بن عبد العزيز وموعظة التمر التي هزت قلب مسلمة بن عبد الملك
عمر بن عبد العزيز وموعظة التمر التي هزت قلب مسلمة بن عبد الملك
تكشف المواقف القصيرة في حياة الصالحين عن معان عميقة قد تعجز الخطب الطويلة عن إيصالها، وتبقى بعض الكلمات حاضرة في الذاكرة لما تحمله من صدق وإخلاص وقدرة على إيقاظ القلوب. ومن بين هذه المواقف ما جرى بين الخليفة عمر بن عبد العزيز ومسلمة بن عبد الملك، حين تحولت جلسة هادئة بعد صلاة الفجر إلى موعظة بليغة في الزهد والقناعة والخوف من الحساب.
كان عمر بن عبد العزيز معروفا بالورع والزهد، والحرص على محاسبة النفس، ولم تكن مكانته خليفة للمسلمين لتحجبه عن التأمل في حقيقة الدنيا ومصير الإنسان. وكان يخصص وقتا يعتزل فيه الناس للعبادة والتفكر، بعيدا عن مشاغل الحكم ومسؤولياته، فلا يسمح لأحد بالدخول عليه في خلوته إلا في حالات نادرة.
وفي أحد الأيام، دخل عليه مسلمة بن عبد الملك بعد صلاة الفجر، فوجده في تلك الغرفة التي اعتاد أن ينفرد فيها بنفسه، ويستحضر معاني الآخرة، ويتأمل في حقيقة الحياة وما ينتظر الإنسان بعد انقضاء عمره.
طبق من التمر يتحول إلى درس في القناعة
وبينما كان الرجلان جالسين، جاءت جارية تحمل طبقا من تمر الصيحاني، وهو من أنواع التمر التي كان عمر بن عبد العزيز يحبها ويستطيب مذاقها.
تناول الخليفة قبضة من التمر بيديه، ثم التفت إلى مسلمة بن عبد الملك، وبدأ حديثه بسؤال بدا في ظاهره متعلقا بالطعام، لكنه كان يخفي وراءه معنى أعمق يتجاوز حدود الشبع والاحتياج.
قال عمر لمسلمة: ما رأيك في رجل أكل هذا المقدار من التمر، ثم شرب عليه الماء؟ فإن شرب الماء بعد التمر يزيده لذة وشبعا، فهل ترى أن هذا المقدار يكفيه حتى الليل؟
لم يتعجل مسلمة الإجابة، وقال إنه لا يدري. عندها أخذ عمر بن عبد العزيز كمية أكبر من التمر، ورفعها بيديه، ثم أعاد السؤال مرة أخرى، مستفسرا عما إذا كان هذا المقدار يكفي الإنسان ليومه كله.
أجاب مسلمة بأن هذه الكمية تكفيه حتى الليل، بل إن مقدارًا أقل منها قد يسد حاجته، ويغنيه عن تناول المزيد من الطعام طوال اليوم.
وهنا انتقل الحديث من تقدير كمية الطعام التي يحتاج إليها الإنسان إلى قضية أكبر تتعلق بطريقة عيشه، ومدى انشغاله بملذات الدنيا، وما إذا كانت الشهوات تستحق أن يجعلها غاية يسعى إليها دون توقف.
«فلم يدخل الإنسان النار إذن؟»
عند هذه الإجابة، أطلق عمر بن عبد العزيز كلمته التي حملت جوهر الموعظة، فقال: «فلم يدخل الإنسان النار إذن؟».
لم يكن السؤال متعلقا بالتمر أو بالطعام وحده، وإنما كان دعوة إلى التأمل في حقيقة الإسراف والتوسع في الشهوات، رغم أن الإنسان يستطيع أن يعيش بما يكفيه، ويحقق حاجاته الأساسية دون أن يجعل الاستمتاع بالدنيا هدفه الأكبر.
فإذا كان القليل من الطعام يستطيع أن يسد الجوع، ويمنح الإنسان ما يحتاج إليه من قوة، فلماذا يندفع وراء المزيد دون حاجة، ولماذا يسمح لرغباته بأن تقوده إلى ما قد يوقعه في المعصية ويعرضه للحساب؟
كانت كلمات الخليفة تعبيرا عن نظرة متوازنة إلى الدنيا، لا تدعو إلى تحريم الطيبات أو ترك ما أحله الله، وإنما تحذر من الإسراف والتعلق المفرط بالملذات، وتؤكد أن القناعة تمنح الإنسان قدرة على ضبط رغباته، وتحرره من الاستسلام لشهواته.
موعظة قصيرة تركت أثرا عميقا
وقد ترك هذا الموقف أثرا واضحا في نفس مسلمة بن عبد الملك، الذي عبر عن شدة تأثره بكلمات عمر بن عبد العزيز، مؤكدا أنه لم يسمع موعظة وقعت في قلبه وأثارت فيه الخشية مثل هذه الموعظة.
وتكمن قوة هذا الموقف في بساطته؛ فلم يحتج عمر إلى خطاب طويل، أو استعراض للأدلة، بل استخدم موقفا يوميا مألوفا ليقود صاحبه إلى مراجعة النفس والتفكير في العاقبة.
وتبقى هذه الموعظة تذكيرا بأن قيمة الإنسان لا تقاس بما يجمعه أو يستهلكه، وإنما بقدرته على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الاستمتاع المباح والإسراف المذموم.
فالقناعة ليست حرمانا من الحياة، بل وعي بما يكفي الإنسان، وشكر لما أنعم الله به عليه، واستعداد ليوم الحساب. وحين يدرك المرء أن كثيرا مما يطارد رغباته ليس ضرورة لحياته، يصبح أكثر قدرة على ضبط نفسه، وأقرب إلى حياة يسودها الاعتدال والطمأنينة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | عمر بن عبد العزيز



