![]()
«ذو سعة من سعته»..
كيف يوجه القرآن النفقة بحسب القدرة؟
«ذو سعة من سعته»..
كيف يوجه القرآن النفقة بحسب القدرة؟
يرسم القرآن الكريم منهجا متوازنا في تنظيم العلاقات الأسرية، يقوم على العدل ومراعاة الأحوال المادية، فلا يفرض على الإنسان ما يتجاوز طاقته، ولا يجعل ضيق الرزق مبررا للتقصير في الحقوق الواجبة. ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ»، وهي عبارة قرآنية موجزة تحمل دلالات مهمة حول مسؤولية الإنفاق، ومراعاة الفروق بين الناس، والثقة في وعد الله بتيسير الأمور بعد الشدة.
نص الآية الكريمة وسياقها
قال الله تعالى في سورة الطلاق: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا» (الطلاق: 7).
وتأتي الآية ضمن الأحكام التي تنظم شؤون الطلاق وما يترتب عليه من حقوق مالية، ولا سيما نفقة المطلقة واحتياجات الطفل، إذ تؤكد ضرورة مراعاة القدرة المالية عند تقدير الإنفاق. فالنفقة لا تقدر بمعزل عن حال المنفق، وإنما ترتبط بما رزقه الله من مال وسعة.
وتبرز الآية عدالة التشريع الإسلامي، الذي يجمع بين حفظ الحقوق ومراعاة الظروف، فلا يساوي بين الغني الذي وسع الله عليه في الرزق، والفقير الذي يعاني ضيق الحال، وإنما يوجب على كل منهما الإنفاق بحسب استطاعته.
ما معنى «ذو سعة من سعته»؟
تعني عبارة «ذو سعة من سعته» أن الشخص الذي يمتلك القدرة المالية والرزق الوفير يجب عليه أن ينفق بما يتناسب مع ما أعطاه الله من مال، وألا يضيق على من تجب عليه نفقتهم مع قدرته على الوفاء بحقوقهم.
وكلمة «السعة» في اللغة تدل على الغنى والقدرة والوفرة، أما المقصود بها في الآية فهو سعة الرزق والإمكانات المالية. و«ذو سعة» تعني صاحب القدرة والمال، بينما يشير قوله «من سعته» إلى أن مقدار الإنفاق ينبغي أن يتناسب مع حجم هذه القدرة.
وقد أوضح الإمام ابن كثير في تفسيره أن المقصود أن ينفق والد الطفل، أو من تلزمه النفقة بحسب الأحكام الشرعية، على قدر استطاعته. كما يبين تفسير الطبري أن الآية تتناول إنفاق الرجل على مطلقته في أجر الرضاع وعلى ولده، مع مراعاة ما يملكه من مال.
وبذلك، لا تعني العبارة أن صاحب المال يحدد النفقة وفقا لرغبته وحدها، وإنما تؤكد أن السعة المالية تؤثر في تقدير ما يجب عليه أداؤه، مع مراعاة الحقوق الواجبة والضوابط الشرعية.
معنى قوله تعالى «ومن قدر عليه رزقه»
تستكمل الآية بيان هذا المبدأ بقوله سبحانه: «وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ»، أي من ضيق الله عليه في رزقه، أو كان دخله محدودا لا يسمح له بالإنفاق الواسع، فعليه أن ينفق في حدود ما يستطيع.
وهنا يظهر التوازن بين حق المستحق في النفقة، وقدرة الشخص المكلف بها. فالإسلام لا يطالب الفقير بما يطالب به الغني من حيث مقدار الإنفاق، ولا يكلف الإنسان بما يعجز عنه، لكنه لا يسقط عنه المسؤولية بالكلية لمجرد ضيق الحال، بل يطالبه ببذل ما يستطيع.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في ختام الآية: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا»، وهو تقرير لقاعدة عظيمة في مراعاة الاستطاعة، تجمع بين العدل والتيسير، وتمنع تحميل الإنسان ما لا يملك القدرة على أدائه.
أبرز اللطائف في قوله «ذو سعة من سعته»
تحمل العبارة القرآنية عددا من اللطائف اللغوية والتربوية، رغم قصرها، ومن أبرزها:
أولا: تكرار لفظ السعة. جاء التعبير بقوله «ذو سعة من سعته»، فذكر السعة أولا لوصف الشخص، ثم أعادها في «من سعته» لربط الإنفاق بمقدار ما يملكه من قدرة مالية. ويؤكد هذا التكرار أن النفقة تتناسب مع الإمكانات، فلا يكون الغني كالفقير في مقدار ما يستطيع تقديمه.
ثانيا: الإيجاز في التعبير. جمعت العبارة القصيرة مبدأ ماليا واجتماعيا مهما، وهو أن الالتزام بالنفقة يرتبط بالقدرة، وأن الحقوق ينبغي أن تؤدى بما يتناسب مع حال المكلف بها، دون إفراط أو تفريط.
ثالثا: الجمع بين الحق والرحمة. لم تقتصر الآية على مطالبة المنفق بأداء ما عليه، بل راعت أيضا ظروفه المادية، فأقامت توازنا بين حماية حقوق المستحقين وعدم إرهاق من ضاق رزقه.
رابعا: الانتقال من التكليف إلى الرجاء. تختتم الآية بوعد الله تعالى: «سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا»، لتفتح باب الأمل أمام من يمر بضائقة مالية، وتذكره بأن الشدة ليست حالة دائمة، وأن الفرج بيد الله سبحانه وتعالى.
الدروس المستفادة من الآية
تقدم الآية دروسا مهمة في التعامل مع المسؤوليات المالية والأسرية، أبرزها أن الإنفاق ينبغي أن يقوم على العدل ومراعاة الاستطاعة، وأن القدرة على المال تترتب عليها مسؤولية تجاه من لهم حقوق واجبة.
كما تحذر من التضييق المتعمد على المستحقين مع وجود القدرة، وتدعو في المقابل إلى عدم تحميل محدود الدخل ما لا يستطيع تحمله. وتؤكد أن ضيق الرزق لا يلغي الواجب، بل يجعل أداءه مرتبطا بما تيسر من الإمكانات.
وتعلم الآية كذلك أن التيسير لا يعني التفريط في الحقوق، كما أن المطالبة بالحقوق لا تعني تجاهل ظروف الناس. فالمنهج القرآني يوازن بين الأمرين، ويجعل الإنفاق قائما على المسؤولية والرحمة والعدل.
وتؤكد عبارة «ذو سعة من سعته» أن الإنسان مطالب بالإنفاق بحسب ما آتاه الله من قدرة ورزق، وأن مقدار النفقة يراعى فيه حال المنفق، مع حفظ الحقوق الواجبة للمستحقين.
وتبرز لطائف الآية في إيجازها، وربطها بين السعة المالية والمسؤولية، ومراعاتها أحوال الغني والفقير، ثم ختمها بوعد يبعث الأمل في النفوس. وهكذا تقدم الآية منهجا متكاملا يجمع بين العدل في أداء الحقوق، والرحمة بأصحاب الظروف الصعبة، والثقة بأن الله يجعل بعد العسر يسرا.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | سورة الطلاق



