![]()
باب يدي كولة.. من التحصينات البيزنطية إلى الاستخدام العثماني
باب يدي كولة.. من التحصينات البيزنطية إلى الاستخدام العثماني
عند الطرف الجنوبي من أسوار إسطنبول التاريخية، حيث تقترب التحصينات البرية من مياه بحر مرمرة، يقف باب «يدي كولة» شاهدا على تحولات معمارية وتاريخية امتدت لقرون، محتفظا ببقايا من ملامح العهدين البيزنطي والعثماني، رغم اختفاء أجزاء من بنائه الأصلي بفعل الزمن.
ويكشف الباب، الواقع شمالي باب الذهب المعروف باسم «آلتون قابي»، بالقرب من قلعة الأبراج السبعة، عن جانب من تاريخ التحصينات التي أحاطت بإسطنبول، وعن تغير وظائفها من الدفاع عن المدينة إلى تأمين الحركة والوصول إلى بعض المنشآت المهمة خلال العهد العثماني.
وبين قوس لا يزال قائما، وآثار ممر اندثر، ونقوش توثق أعمال ترميم قديمة، يروي هذا المعلم تفاصيل مرحلة مهمة من تاريخ المدينة التي تعاقبت عليها إمبراطوريات كبرى، وتركت كل منها بصمتها على عمرانها وأسوارها.
من التحصينات البيزنطية إلى الاستخدام العثماني
لم يكن باب «يدي كولة» مجرد منفذ للعبور عبر الأسوار، بل كان جزءا من منظومة دفاعية متكاملة تحيط بالمدينة وتحمي مداخلها البرية. وقد ارتبط موقعه بأهمية المنطقة الجنوبية من أسوار إسطنبول، حيث تمتد التحصينات باتجاه بحر مرمرة.
ويقع الباب شمالي باب الذهب، بالقرب من قلعة الأبراج السبعة، موضحا أن استخدامه في العصر البيزنطي ارتبط بأغراض الدفاع، قبل أن يستمر توظيفه خلال العهد العثماني لخدمة متطلبات الدفاع والأمن.
ويعكس هذا التحول قدرة المنشآت التاريخية على الاحتفاظ بأهميتها رغم تغير الظروف السياسية والعسكرية. فمع انتقال إسطنبول من الحكم البيزنطي إلى الحكم العثماني، لم تفقد الأسوار قيمتها الاستراتيجية، بل استمرت في أداء أدوار تتناسب مع احتياجات السلطة الجديدة.
قوس باق وممر اختفى مع الزمن
تكشف بقايا الباب عن تغيرات معمارية شهدها الموقع على مدار القرون. فلم يعد البناء يحتفظ بجميع أجزائه، إذ بقي الممر الكبير الذي يفتح على خط الأسوار الرئيسي، بينما اختفى ممر آخر كان يقع في الجزء الأمامي من التحصينات.
وتشير صور تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر، بحسب بكتاش، إلى وجود بوابة ثانية ذات قوس في ذلك الجزء، في حين توحي الأبحاث الأثرية بأن الممر المفقود يعود إلى العصر البيزنطي، وربما إلى مرحلته المتأخرة.
أما القوس الباقي، فيحمل سمات معمارية عثمانية، أبرزها شكله المدبب واستخدام صفين من الآجر في بنائه. والآجر طوب مصنوع من الطين، يجري حرقه في درجات حرارة مرتفعة ليكتسب الصلابة والمتانة، وقد استخدم على نطاق واسع في تشييد المباني والأقواس والأسوار.
وتبرز تفاصيل البناء اختلافا في أطوال الآجر المستخدم بين الجزء الخارجي من القوس والجزء المواجه للداخل، وهي ملامح تساعد الباحثين على قراءة الأساليب المعمارية التي استخدمت في مراحل ترميم الباب وإعادة بنائه.
نقوش توثق ترميمات القرن الثامن عشر
لا تقتصر أهمية الباب على بنيته المعمارية، إذ تحمل جدرانه نقوشا توثق أعمال ترميم شهدتها المنطقة خلال القرن الثامن عشر، وتكشف عن استمرار الاهتمام بالأسوار ومداخلها خلال العهد العثماني.
ومن أبرز هذه الشواهد نقش يقع فوق فتحة القوس، يرتبط بعهد السلطان أحمد الثالث، إلى جانب كتابتين على امتداد الأسوار المجاورة ترتبطان بعهدَي السلطانين أحمد الثالث وعثمان الثالث.
وتشير هذه النقوش إلى أعمال ترميم مهمة جرت في منتصف القرن الثامن عشر تقريبا، وهو ما يعكس استمرار استخدام الموقع وأهميته في منظومة التحصينات. ويرجح بكتاش أن الباب شهد أعمال ترميم واسعة مقارنة ببعض البوابات الأخرى، بالنظر إلى موقعه بالقرب من قلعة الأبراج السبعة.
وتمنح هذه الكتابات الباحثين دليلا ماديا على مراحل صيانة المنشآت التاريخية، كما تساعد على الربط بين العناصر المعمارية القائمة والأحداث السياسية والإدارية التي شهدتها المدينة.
باب ارتبط بسجون الأبراج السبعة
اكتسب باب «يدي كولة» أهمية إضافية خلال العهد العثماني، إذ ارتبط بالوصول إلى السجون التاريخية المعروفة باسم «زنزانات يدي كولة»، الواقعة بالقرب من القلعة التي تحمل الاسم نفسه.
والباب كان يؤدي إلى تلك السجون التي استمر استخدامها خلال العهد العثماني، مرجحا أن تكون أعمال الترميم المتعاقبة قد ارتبطت، جزئيا، بتسهيل الوصول إليها. كما يمكن أن تعكس النقوش العائدة إلى عهدي السلطانين أحمد الثالث وعثمان الثالث أهمية المدخل في حركة العبور نحو القلعة ومرافقها.
وكان الجانب المواجه للمدينة يضم حتى وقت قريب، نقشا بارزا يحمل أشكالا تصويرية، لكنه لم يعد موجودا في موضعه اليوم.
ذاكرة إسطنبول بين الحفظ والاندثار
يقدم باب «يدي كولة» نموذجا للمعالم التاريخية التي تحتفظ بجزء من ماضيها، بينما تفقد أجزاء أخرى بفعل الزمن والتغيرات العمرانية. فالقوس العثماني، وآثار الممر البيزنطي المفقود، ونقوش الترميم، تشكل مجتمعة شواهد على مراحل متعاقبة من تاريخ إسطنبول.
ولا تقتصر قيمة الباب على كونه أثرا معماريا، بل تتجاوز ذلك إلى ما يكشفه عن تطور وظائف الأسوار ومداخلها، من حماية المدينة إلى تنظيم الوصول إلى المنشآت الداخلية وتأمينها.
وهكذا، يظل باب «يدي كولة» جزءا من الذاكرة التاريخية لإسطنبول، وشاهدا على مدينة استطاعت أن تحتفظ بآثار حضارات متعاقبة، حتى عندما لم تصمد جميع أحجارها أمام مرور القرون.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إسطنبول



