توالي الضمات.. كيف يستقيم صوت التلاوة بين الشفتين؟

في تلاوة القرآن الكريم، لا تأتي الحركات لتكون علاماتٍ صامتة فوق الحروف أو تحتها، وإنما هي جزء أصيل من البناء الصوتي للكلمة، وبها يستقيم اللفظ، ويستبين المعنى، ويأخذ الحرف صورته التي أرادها له أهل العربية...
توالي الضمات.. كيف يستقيم صوت التلاوة بين الشفتين؟

توالي الضمات.. كيف يستقيم صوت التلاوة بين الشفتين؟

في تلاوة القرآن الكريم، لا تأتي الحركات لتكون علاماتٍ صامتة فوق الحروف أو تحتها، وإنما هي جزء أصيل من البناء الصوتي للكلمة، وبها يستقيم اللفظ، ويستبين المعنى، ويأخذ الحرف صورته التي أرادها له أهل العربية وأئمة القراءة.
ومن أكثر المواضع التي تحتاج إلى عناية خاصة عند بعض المتعلمين تلك المواضع التي “تتوالى فيها الضمات”، أو التي يأتي فيها “حرف الواو متبوعًا بحرف مضموم”، إذ قد يختلط على القارئ مقدار الحركة، أو يبالغ في تدوير الشفتين، أو يحوّل الضمة إلى صوت ممتد لا تقتضيه القراءة.
والأصل الذي ينبغي أن يستقر في ذهن القارئ أن “الضمة حركة قصيرة”، وليست حرف مد، وأن زمنها لا يُزاد لمجرد أن بعدها ضمة أخرى أو واو. فالضمة تؤدى بتحقيق الحرف مع ضم الشفتين ضمًا مناسبًا، ثم ينتقل القارئ إلى الحركة التالية من غير تكلف ولا إطالة.
وهنا تظهر أهمية التدريب على ما يسمى في الأداء القرآني “تحقيق الحركات”؛ لأن سلامة التلاوة لا تقوم على معرفة مخارج الحروف وصفاتها فحسب، وإنما تقوم كذلك على إعطاء كل حركة حقها من غير نقص ولا زيادة. فإذا توالت الضمات، وجب أن تبقى كل ضمة مستقلة في زمنها وصوتها، فلا تندمج إحداها في الأخرى، ولا تتحول الحركة القصيرة إلى مدٍّ لا أصل له.

توالي الضمتين يحتاج إلى وضوح لا إلى إطالة

عندما يقرأ القارئ كلمة أو تركيبًا تتجاور فيه الأصوات المضمومة، فقد يشعر بأن الشفتين في حالة واحدة من الضم، فيميل إلى جمع الحركتين في صوت واحد طويل. وهذا من الأخطاء التي ينبغي التنبه إليها؛ لأن “تشابه هيئة الفم لا يعني اتحاد الحركتين في الزمن”.
فإذا جاءت ضمة بعد ضمة، فإن القارئ يحافظ على طبيعة كل حركة، وينتقل من الحرف الأول إلى الثاني انتقالًا واضحًا، مع بقاء النطق سلسًا غير متكلف.
والمقصود ليس أن يتوقف بين كل حركة وحركة، فهذا يفسد انسياب التلاوة، وإنما المقصود أن يدرك القارئ أن لكل حرف نصيبه من الحركة، وأن سرعة الانتقال لا تعني إسقاط الحركة، كما أن المحافظة عليها لا تعني مدها.
ومن هنا يمكن للقارئ أن يضبط الأمر بقاعدة عملية يسيرة: “الحركة القصيرة تُؤدى قصيرة، ولو جاورت حركة مثلها”. فإذا رأى ضمتين متتابعتين، فلا يحولهما إلى ضمة طويلة، ولا يتعامل معهما كما يتعامل مع الواو المدية.
وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن “الواو المدية شيء، والضمة شيء آخر”. فالواو المدية لها شروطها المعروفة، ومن أهمها أن تكون الواو ساكنة وما قبلها مضمومًا، وعندئذ يكون لها مقدار المد المناسب بحسب الموضع والحكم التجويدي. أما الضمة فهي حركة على الحرف، وزمنها أقصر من زمن حرف المد، ولا يصح أن يمنحها القارئ زمن الواو لمجرد التشابه في هيئة الشفتين.

الواو المضمومة.. موضع يحتاج إلى انتباه الشفتين

وتزداد المسألة دقة عندما تأتي “واو مضمومة”، أو يأتي حرف مضموم بعدها، لأن الواو بطبيعتها من الأصوات التي تتطلب عناية في تشكيل الشفتين. وهنا ينبغي أن نفرق بين “الواو المتحركة بالضم” وبين “الواو المدية”؛ فالأولى حرف صحيح متحرك، أما الثانية فحرف مد له حكمه ومقداره.
فإذا كانت الواو مضمومة، فإن القارئ ينطق الواو من مخرجها المعروف، ثم يؤدي عليها الضمة من غير أن يحولها إلى واو مدية، ومن غير أن يضيف إلى صوتها امتدادًا ليس في الكلمة. وإذا جاءت بعدها ضمة على حرف آخر، فلا ينبغي أن يظل القارئ ممسكًا بالشفتين على هيئة واحدة زمناً زائدًا، وإنما ينتقل انتقالًا طبيعيًا إلى الحرف التالي.
وهذه النقطة بالذات تكشف الفرق بين “التلاوة التي تقوم على العلم” والتلاوة التي تعتمد على المحاكاة الصوتية وحدها. فقد يسمع القارئ شيخًا متقنًا يؤدي كلمة معينة فيظن أن امتداد الصوت الذي سمعه سببه الضمة، بينما قد يكون في الحقيقة ناتجًا عن حرف مد، أو عن طبيعة الأداء، أو عن حكم تجويدي آخر. ولذلك لا يكفي في ضبط هذه المواضع أن نقول: «هكذا نسمعها»، بل ينبغي أن نسأل: “ما الحرف؟ وما حركته؟ وما الحكم المتعلق به؟ وما مقدار صوته؟”
فالقرآن الكريم لا يُؤخذ من الانطباع الصوتي المجرد، وإنما يُؤخذ بالتلقي والمشافهة مع فهم القواعد التي تضبط هذا الأداء.

لا تجعل تدوير الشفتين يفسد جمال التلاوة

ومن الأخطاء التي تظهر عند بعض المتعلمين في الضم خصوصًا المبالغة في تدوير الشفتين، حتى تصبح هيئة النطق متكلفة، وكأن القارئ يحاول أن يصنع الضمة صناعةً بدل أن يؤديها أداءً طبيعيًا. والضمة الصحيحة لا تحتاج إلى تكلف؛ إنما تحتاج إلى معرفة موضعها وإعطائها حقها.
وعند توالي الضم أو مجيء الواو ثم الضمة، ينبغي أن تكون حركة الشفتين “منضبطة بقدر الحاجة”. فالغاية هي تحقيق الصوت، لا استعراض الحركة. وكلما زاد التكلف، زادت احتمالات اضطراب الصوت، وربما انتقل القارئ من الضمة العربية الصحيحة إلى صوت آخر أقرب إلى بعض الأصوات الأجنبية أو اللهجات العامية.
ولهذا فإن تدريب القارئ ينبغي أن يبدأ بقراءة المقطع ببطء، مع ملاحظة الحرف والحركة، ثم يعاد النطق بالسرعة الطبيعية مع المحافظة على وضوح الحركات. ومع كثرة التكرار، يصبح الانتقال بين الضمات والواو المضمومة أمرًا تلقائيًا، فلا يحتاج القارئ إلى التفكير في حركة شفتيه أثناء التلاوة.
والأجمل في هذا الباب أن يدرك القارئ أن “الإتقان لا يعني البطء”، كما أن السرعة لا تعني إسقاط الحركات. التلاوة المتقنة هي التي تجتمع فيها سلامة المخارج، وصحة الصفات، وضبط الحركات، وانسياب الأداء في صورة لا يشعر معها السامع بتكلف القارئ أو تصنعه.
ومن المهم أيضًا ألا يخلط القارئ بين “الضم الذي هو حركة، والواو التي هي حرف”؛ فالواو قد تكون متحركة، وقد تكون ساكنة مدية، ولكل صورة منها أداؤها. فإذا كانت واوًا مدية، وجب أن يؤدى المد بحسب حكمه، وإذا كانت واوًا متحركة، فلا تُعامل معاملة حرف المد. وهذه التفرقة الصغيرة في ظاهرها، عظيمة الأثر في سلامة التلاوة.
ولهذا فإن قاعدة النطق في مثل هذه المواضع يمكن اختصارها في معنى واضح: “حقِّق الضمة ولا تمدها، وحقِّق الواو ولا تحولها إلى مد، وانتقل بين الحروف بسلاسة من غير إسقاط للحركة ولا زيادة في زمنها”. فحين تستقيم هذه الموازنة، يصبح الصوت أكثر صفاءً، وتخرج الكلمة من موضعها العربي الصحيح، وتبقى التلاوة محافظة على جلالها من غير إفراط ولا تفريط.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
الإسناد.. خصيصة الأمة الإسلامية في نقل الأخبار وحفظ التراث
يعد الإسناد من أبرز المناهج العلمية التي تميزت بها الحضارة الإسلامية في توثيق الأخبار ونقل المعارف، إذ...
المزيد »
سورة يونس.. سبب تسميتها وأبرز موضوعاتها ومقاصدها الإيمانية
تحتل سورة يونس مكانة بارزة بين سور القرآن الكريم، لما تتضمنه من آيات تؤكد وحدانية الله تعالى، وتثبت صدق...
المزيد »
«ذو سعة من سعته»..
يرسم القرآن الكريم منهجا متوازنا في تنظيم العلاقات الأسرية، يقوم على العدل ومراعاة الأحوال المادية، فلا...
المزيد »
«مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها»..
تقدم الآيات القرآنية أمثالا بليغة تكشف أحوال الإنسان، وتوضح الفارق بين امتلاك المعرفة والانتفاع بها في...
المزيد »
«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»..
ارتبط نزول قوله تعالى «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» بأحد أبرز أحداث غزوة بدر الكبرى، حين واجه المسلمون...
المزيد »
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك