![]()
الذكر عقب الصلوات..
سنة غابت عن كثير من المصلين رغم عظيم أجرها
الذكر عقب الصلوات..
سنة غابت عن كثير من المصلين رغم عظيم أجرها
يحرص كثير من المسلمين على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، لكن بعضهم يغادر المسجد عقب التسليم مباشرة، دون أن يمنح نفسه دقائق قليلة يذكر فيها الله تعالى، ويستحضر فضله ونعمه، رغم أن الأذكار عقب الصلوات من السنن النبوية التي تحمل أجورا عظيمة ومعاني إيمانية عميقة.
ويمثل الذكر عقب الصلاة امتدادا للحالة الإيمانية التي يعيشها المسلم أثناء وقوفه بين يدي الله، وفرصة لتجديد الصلة بالخالق، واستحضار معاني التوحيد والحمد والاستغفار، بعيدا عن الانشغال السريع بأمور الحياة اليومية. ومع ذلك، فإن هذه السنة يغفل عنها بعض المصلين، أو يؤدونها على عجل دون تدبر لمعانيها.
ولا تقتصر أهمية أذكار ما بعد الصلاة على ترديد كلمات مأثورة فحسب، بل تمتد إلى ما تحمله من تربية للنفس على دوام ذكر الله، والاعتراف بالتقصير، وشكر المنعم، واستشعار أن العبادة لا تنتهي بمجرد التسليم من الصلاة.
ماذا كان يفعل النبي عقب الصلاة؟
وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة توضح ما كان يقوله عقب الصلوات المفروضة، وتبين فضل المحافظة على هذه الأذكار.
فعن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». رواه مسلم.
ويبدأ المسلم بذلك بالاستغفار ثلاث مرات، في إشارة إلى حاجته الدائمة إلى مغفرة الله، ثم يثني عليه سبحانه بأنه مصدر السلام والكمال، ومنه تأتي السلامة والطمأنينة والبركة.
كما وردت صيغ متعددة للذكر عقب الصلاة، منها التسبيح والتحميد والتكبير، وهي أذكار تجمع بين تنزيه الله عن كل نقص، وحمده على نعمه، وتعظيمه وإقرار العبد بكمال قدرته.
ومن الأذكار الثابتة أيضا قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، لما تتضمنه هذه الكلمات من تقرير لمعنى التوحيد، وإفراد الله بالعبادة والملك والحمد.
التسبيح والتحميد والتكبير.. كيف يؤديها المسلم؟
من الأذكار المشهورة التي ثبت فضلها عقب الصلوات المفروضة أن يقول المسلم: سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة، ثم يتم المائة بقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».
وقد ورد هذا الذكر في صحيح مسلم، وجاء في الحديث أن من قاله غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر.
كما وردت صيغ أخرى صحيحة للتسبيح والتحميد والتكبير، منها أن يقول المسلم كل واحدة منها ثلاثا وثلاثين مرة، ثم يختم المائة بالتكبير، أو يسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر أربعا وثلاثين. وقد جاءت هذه الصيغ في أحاديث صحيحة، وهو ما يتيح للمسلم العمل بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم دون اعتقاد أن هناك صيغة واحدة لا يجوز غيرها.
ومن المهم أن يحرص المسلم على فهم معاني هذه الكلمات، فلا يكون الذكر مجرد ترديد سريع، وإنما استحضارا لمعاني تنزيه الله وحمده وتعظيمه، بما يعين القلب على الخشوع ويجعل اللسان عامرا بذكر الله.
آية الكرسي والمعوذات ضمن الأذكار
ومن الأذكار التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها عقب الصلاة قراءة آية الكرسي، وهي الآية رقم 255 من سورة البقرة، لما ورد في فضلها من أحاديث، منها ما رواه النسائي في «السنن الكبرى» عن أبي أمامة رضي الله عنه في فضل قراءتها دبر الصلوات المكتوبة.
كما وردت أحاديث في قراءة سور الإخلاص والفلق والناس عقب الصلاة، مع اختلاف ما ورد في عدد مرات قراءتها بحسب الصلاة والروايات الواردة فيها. ومن ذلك استحباب قراءة المعوذات عقب الصلوات، ووردت روايات بتكرارها ثلاث مرات عقب صلاتي الفجر والمغرب.
وتكشف هذه الأذكار عن تنوع السنة النبوية في الأذكار التي تعقب الصلاة، إذ تجمع بين الاستغفار، والتوحيد، والتسبيح، وقراءة القرآن، والاستعاذة بالله من الشرور.
لماذا تراجع الاهتمام بهذه السنة؟
قد يرجع انصراف بعض المصلين عن أذكار ما بعد الصلاة إلى الاستعجال، أو الانشغال بالهاتف، أو الرغبة في اللحاق بالعمل والالتزامات اليومية، فضلا عن عدم معرفة البعض بصيغ الأذكار الصحيحة وفضلها.
غير أن دقائق قليلة يمكن أن تصنع فارقا في علاقة المسلم بربه، خصوصا إذا تحولت الأذكار إلى عادة ثابتة عقب كل صلاة. ولا يتطلب الأمر جهدا كبيرا أو وقتا طويلا، وإنما يحتاج إلى قدر من الحرص والمداومة، مع مراعاة عدم التشويش على المصلين الآخرين.
ومن المهم أيضا أن يتعلم المسلم هذه الأذكار من مصادر موثوقة، وأن يميز بين الأحاديث الصحيحة والروايات الضعيفة، حتى تكون عبادته قائمة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
دقائق قليلة لا ينبغي التفريط فيها
إن المحافظة على الذكر عقب الصلوات ليست أمرا شكليا، بل هي فرصة يومية لتجديد الإيمان، واستحضار مراقبة الله، وتربية النفس على الشكر والاستغفار والتوكل عليه.
وإذا كان المسلم يخصص وقتا لشؤون حياته المختلفة، فإن تخصيص دقائق قليلة لذكر الله عقب الصلوات أولى بالعناية والاهتمام. فهذه السنة النبوية تجمع بين سهولة العمل وعظيم الأجر، وتمنح المسلم فرصة لإنهاء صلاته بقلب حاضر ولسان ذاكر.
ومن هنا، فإن إحياء سنة الأذكار عقب الصلوات يبدأ بخطوة بسيطة: ألا يغادر المسلم موضع صلاته على عجل، وأن يمنح نفسه وقتا للاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير، وقراءة ما تيسر من الأذكار الثابتة. ومع الاستمرار، تتحول هذه الدقائق إلى عبادة يومية راسخة، يستشعر معها المسلم أن ذكر الله ليس مرتبطا بوقت الصلاة وحده، بل هو صلة دائمة بين العبد وربه.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الذكر عقب الصلوات



