![]()
«مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها»..
دلالات المثل القرآني ولطائفه
«مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها»..
دلالات المثل القرآني ولطائفه
تقدم الآيات القرآنية أمثالا بليغة تكشف أحوال الإنسان، وتوضح الفارق بين امتلاك المعرفة والانتفاع بها في الحياة. ومن هذه الأمثال قول الله تعالى في سورة الجمعة: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا»، وهي آية تحمل توبيخا لمن أوتوا كتابا سماويا وكلفوا العمل بما فيه، ثم لم يلتزموا بتعاليمه، وتبرز خطورة العلم الذي لا يصاحبه فهم أو عمل، كما تكشف عن لطائف بلاغية وتربوية جديرة بالتأمل.
نص الآية الكريمة وموقعها في سورة الجمعة
قال الله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (الجمعة: 5).
وتتناول الآية حال الذين أوتوا التوراة من بني إسرائيل، وكلفوا حفظ أحكامها والعمل بها، لكنهم لم يؤدوا حقها، ولم ينتفعوا بما تضمنته من هداية وتعاليم. وقد أوضح المفسرون أن المثل يصور الفارق بين حمل الكتاب حملا ماديا، وبين حمل مسؤوليته من خلال فهمه والالتزام بما جاء فيه.
ويأتي هذا المثل في سياق سورة الجمعة التي تتحدث عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتبين مسؤولية أهل الكتاب تجاه ما أوتوا من الوحي، وتدعو إلى إدراك قيمة الهداية الإلهية وعدم الاكتفاء بامتلاك النصوص دون الاستجابة لمقتضاها.
معنى «حملوا التوراة ثم لم يحملوها»
لا يقتصر معنى الحمل في الآية على حمل الأشياء المادية، بل يتضمن معنى التكليف والمسؤولية. فقوله تعالى «حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ» يشير إلى أنهم أوتوا الكتاب وكلفوا الإيمان بما فيه والعمل بأحكامه، أما قوله «ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا» فيعني أنهم لم يقوموا بما تفرضه عليهم هذه المسؤولية، ولم يعملوا بمقتضى ما عرفوه من الحق.
ويبين الإمام الطبري في تفسيره أن المقصود أنهم أوتوا التوراة ثم لم يعملوا بما فيها، وضرب الله لهم مثلا بالحمار الذي يحمل كتبا لا يعقل محتواها ولا ينتفع بما تحمله من علم. وذهب ابن كثير والقرطبي إلى المعنى نفسه، مؤكدين أن المقصود ذم من يحمل الكتاب دون فهمه أو العمل به..
وتكشف الآية بذلك عن حقيقة مهمة، وهي أن المعرفة وحدها لا تكفي لتحقيق الهداية، ما لم تتحول إلى سلوك عملي والتزام أخلاقي. فالكتاب السماوي لم ينزل لمجرد الحفظ أو التلاوة، وإنما ليكون دليلا يهدي الإنسان إلى الحق ويعينه على العمل الصالح.
لماذا شبههم الله بالحمار الذي يحمل أسفارا؟
الأسفار جمع سفر، وهو الكتاب، ولا سيما الكتاب الكبير. ويصور المثل حمارا يحمل على ظهره كتبا كثيرة، لكنه لا يعرف ما تحتويه ولا يدرك ما تحمله من معان وأفكار. فهو يتحمل ثقلها دون أن يحصل على شيء من علمها أو ينتفع بما فيها.
وهنا تتجلى قوة الصورة القرآنية؛ إذ تقارن بين قوم أوتوا القدرة على الفهم والإدراك، لكنهم لم ينتفعوا بما عرفوه من الوحي، وبين حيوان يحمل الكتب دون أن يدرك محتواها. فالحمار لا يلام على عدم فهم الكتب، لأنه لا يملك أدوات المعرفة الإنسانية، أما الإنسان الذي أوتي العقل والقدرة على الفهم، ثم أعرض عن مقتضى ما علم، فقد ضيع ما كان ينبغي أن ينتفع به.
ولا يراد من المثل ذم الحيوان لذاته، وإنما تصوير حالة من يحمل المعرفة دون أن تتحول إلى فهم وعمل. كما أن الآية في سياقها تتحدث عن الذين أوتوا التوراة ثم لم يقوموا بحقها، ولا يصح فصلها عن هذا السياق أو اتخاذها ذريعة للحكم على كل من ينتمي إلى جماعة بعينها دون اعتبار لحاله وعمله.
أبرز اللطائف البلاغية في الآية
تتضمن الآية عددا من اللطائف البلاغية التي تزيد معناها وضوحا وتأثيرا، ومن أبرزها:
أولا: التكرار بين «حملوا» و«يحملوها». تكرر فعل الحمل في الآية بمعنيين مختلفين؛ فالحمل الأول يدل على تلقي الكتاب والتكليف به، بينما يشير الحمل الثاني إلى الوفاء بمسؤوليته والعمل بما جاء فيه. وهذا التقابل يكشف الفارق بين امتلاك المعرفة والقيام بحقها.
ثانيا: التشبيه المحسوس لمعنى معنوي. شبه الله حال الذين لم ينتفعوا بالكتاب بحال الحمار الذي يحمل الأسفار، فحول المعنى المجرد إلى صورة محسوسة يسهل إدراكها، ويظل أثرها حاضرا في الذهن. وهذه من خصائص الأمثال القرآنية التي تقرب المعاني وتكشف الحقائق بأسلوب موجز وقوي.
ثالثا: اختيار لفظ «أسفارا». يوحي اللفظ بوجود كتب تحمل علما ومعرفة، لكنه لا يعني أن مجرد حملها يحقق الانتفاع بها. وتبرز المفارقة بين قيمة ما تحمله الكتب من هداية، وعجز حاملها عن إدراك محتواها أو الاستفادة منه.
رابعا: الانتقال إلى التوبيخ الصريح. جاء بعد المثل قوله تعالى: «بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ»، ليؤكد قبح هذا المسلك وخطورة التكذيب بآيات الله بعد قيام الحجة. ثم ختمت الآية بقوله: «وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»، في بيان عاقبة الظلم والإعراض عن الحق.
الدروس التربوية المستفادة من الآية
لا تقف دلالات الآية عند سياقها التاريخي، بل تحمل دروسا عامة لكل من يتعامل مع العلم والمعرفة. فهي تدعو إلى الجمع بين التعلم والفهم والتطبيق، وتحذر من الاكتفاء بحفظ النصوص أو ترديد المعلومات دون تدبر أو التزام.
كما تبرز مسؤولية الإنسان عما يعلمه، فكلما اتسعت معرفته ازدادت أهمية أن يترجمها إلى سلوك نافع، وأن يراجع أفعاله في ضوء ما تعلمه من الحق. ويظهر هذا المعنى في أهمية تدبر القرآن الكريم والعمل بتعاليمه، وعدم جعل التلاوة أو الحفظ غاية منفصلة عن أثرهما في الأخلاق والمعاملات.
وتؤكد الآية كذلك أن العلم الذي لا يهدي صاحبه إلى العمل الصالح قد يصبح حجة عليه، وأن قيمة المعرفة الحقيقية لا تقاس بكثرة ما يحمله الإنسان من معلومات، وإنما بما يفهمه منها، وما يطبقه في حياته، وما ينعكس على سلوكه تجاه الآخرين.
توضح آية سورة الجمعة أن حمل الكتاب لا يعني بالضرورة الوفاء بمسؤوليته، وأن المعرفة تفقد غايتها إذا انفصلت عن الفهم والعمل. وقد جاء التشبيه بالحمار الذي يحمل أسفارا ليجسد هذه الحقيقة في صورة بليغة تجمع بين الإيجاز وقوة التأثير.
وتبقى أبرز لطائف الآية في التمييز بين الحمل الحسي والحمل المعنوي، وفي تصوير المعرفة التي لا ينتفع بها صاحبها، وفي التحذير من الإعراض عن الحق بعد معرفته. وهي رسالة تربوية تدعو إلى أن يكون العلم طريقا للهداية والإصلاح، لا مجرد معلومات محفوظة لا يظهر أثرها في حياة الإنسان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | سورة الجمعة



