![]()
سراب التنوير الرقمي..
وهم إعادة تشكيل الوعي الإسلامي
نشأت في العقدين الأخيرين موجة فكرية صاخبة، تتخذ من الفضاء الرقمي منبرًا لها ومن خطاب “التنوير الجديد” شعارًا، يتصدرها نفر ممن يمكن تسميتهم بالمفكرين الرقميين، وهم في الغالب أصوات وجدت في انفتاح المنصات وغياب الحراسة المعرفية التقليدية فرصة ذهبية لتقديم أنفسهم كمجددين وكاسري تابوهات، بعد أن كان الطريق إلى مقام “المفكر” في الأزمنة السابقة يستلزم عقودًا من التحصيل العلمي والانخراط في مؤسسات معرفية راسخة. وقد راهن هؤلاء على أن الإنترنت، بما يتيحه من انتشار سريع وتفاعل مباشر وتحرر من سلطة المؤسسة، سيكون أداة لإعادة تشكيل الوعي الإسلامي من جذوره، غير أن المتأمل في حصيلة هذه الموجة بعد سنوات من الضجيج، يجد أن ما تحقق منها أقرب إلى سراب فكري، أثار غبارًا كثيفًا دون أن يترك خلفه بناءً معرفيًا يُعتد به.
وهم المساواة المعرفية في فضاء بلا حراسة
قامت فلسفة هذا التيار على افتراض أساسي مفاده أن المؤسسات العلمية التقليدية، بما تحمله من تراتبية وشروط للتأهل، ليست إلا أدوات هيمنة تحتكر تفسير الدين وتحول دون وصول “الحقيقة” إلى الجمهور العريض، وأن الإنترنت بطبيعته اللامركزية سيهدم هذا الاحتكار ويحقق نوعًا من الديمقراطية المعرفية حيث يتساوى الجميع في حق الطرح والتأويل. غير أن هذا الافتراض ينطوي على مغالطة عميقة، فهو يخلط بين حق الإنسان في التفكير والتساؤل، وهو حق مشروع لا خلاف فيه، وبين الزعم بأن غياب التأهل العلمي لا يؤثر على قيمة النتاج الفكري في قضايا تستلزم بالضرورة أدوات دقيقة كعلوم اللغة وأصول الفقه وتاريخ التشريع. فحين يتصدى شخص لم يطأ يومًا أعتاب هذه العلوم لمناقشة قضايا التفسير أو الحديث أو أصول الاعتقاد، مستندًا فقط إلى ثقافة عامة وقدرة على الصياغة الجذابة، فإن ما ينتجه لا يعدو أن يكون انطباعات شخصية مغلفة بلغة فكرية رنانة، لا اجتهادًا معرفيًا حقيقيًا يستحق أن يُوصف بإعادة تشكيل الوعي. وقد أثبتت التجربة أن غياب الحراسة المعرفية لم يفرز عقولًا نيرة بقدر ما أفرز فوضى في التصورات، وخلط بين النقد المنهجي المسؤول وبين التشكيك العشوائي الذي يتغذى على الاستفزاز أكثر مما يتغذى على البرهان.
الخلط بين الحداثة الغربية وخصوصية السياق الإسلامي
من أبرز مآخذ هذا التيار أنه استعار مقولات التنوير الأوروبي بحذافيرها، ونقلها إلى سياق إسلامي مغاير تمامًا في تكوينه التاريخي وبنيته العقدية، متجاهلًا أن التنوير الغربي كان في جوهره ردة فعل على سلطة كنسية مركزية احتكرت تفسير النص وقمعت العلم التجريبي، وهو سياق لا يشبه بحال العلاقة التاريخية بين العلم والدين في الحضارة الإسلامية، التي لم تعرف مؤسسة كهنوتية بالمعنى الكنسي، ولم يشهد تراثها ذلك الصدام العنيف بين الوحي والعقل الذي شهدته أوروبا في عصورها الوسطى. وحين يُسقط هؤلاء المفكرون الرقميون هذا القالب الجاهز على واقع مختلف جوهريًا، فإنهم لا يقدمون تحليلًا أصيلًا نابعًا من فهم عميق لخصوصية السياق الإسلامي، بل يكررون نموذجًا مستوردًا لا يفسر إلا نفسه، ويقدمون “تنويرًا” مصطنعًا يبحث عن مشكلة ليست قائمة أصلًا بالصورة التي يتخيلونها، أو يبالغ في تصوير إشكالات حقيقية لكنه يعالجها بأدوات لا تمت لطبيعتها بصلة. وهذا الاستيراد غير المدروس يكشف عن سطحية منهجية عميقة، فبدل أن يكون الحوار مع التراث الغربي فرصة لإثراء الفكر بالمقارنة والتمحيص، تحول إلى استنساخ أعمى يُظهر هشاشة الأساس الذي تقوم عليه دعوى “التنوير الجديد” بأكملها.
الخلط بين الاستفزاز والإبداع الفكري الحقيقي
يعتمد كثير من هؤلاء المفكرين الرقميين على آلية واحدة متكررة لضمان الحضور والانتشار، وهي إثارة القضايا الأكثر حساسية بأسلوب صادم يضمن التفاعل الواسع، ظانين أن قوة الصدمة مرادفة لعمق الطرح، وأن كثرة المشاهدات دليل على وجاهة الفكرة. غير أن الفارق شاسع بين الجرأة الفكرية الحقيقية التي تناقش الإشكاليات بمنهجية صارمة وتحمل نتائج تحليلها مهما كانت غير مريحة، وبين الاستفزاز المجاني الذي يقتات على ردود الأفعال الغاضبة ويجعل من الجدل هدفًا في ذاته لا وسيلة للوصول إلى حقيقة. فكثير مما يُقدَّم تحت مسمى “التفكير النقدي” ليس إلا إعادة صياغة لشبهات قديمة استنفد العلماء الرد عليها منذ قرون، لكنها تُقدَّم بلغة معاصرة وأسلوب سردي جذاب يوهم المتلقي بأنه أمام اكتشاف جديد، بينما هو في حقيقته تكرار لمقولات سبق تفنيدها بأدلة راسخة لم يكلف أصحاب هذا الخطاب أنفسهم عناء الاطلاع عليها قبل الخوض في الطرح. وهذا النمط من التفكير السطحي المتخفي في ثوب النقد الجريء، هو ما يفسر لماذا بقيت هذه الموجة حبيسة دائرة الضجيج الإعلامي، عاجزة عن إنتاج مدرسة فكرية متماسكة تقدم بديلًا معرفيًا حقيقيًا، أو تفتح أفقًا جديدًا في فهم النصوص والقضايا الكبرى.
تغييب المنهجية واستحضار الخوارزمية
يبقى العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مصير هذا التيار هو طبيعة الفضاء الذي اختاره منصة له، فالخوارزميات التي تحكم انتشار المحتوى الرقمي لا تكافئ العمق والدقة بقدر ما تكافئ الإثارة وسرعة الاستهلاك، وهذا يفرض على كل من أراد الحضور في هذا الفضاء أن يُخضع أفكاره لمنطق المنصة قبل منطق الحقيقة، فتتحول الفكرة العميقة التي تحتاج إلى شرح متأنٍ ومقدمات منهجية إلى مقطع مختصر يبحث عن جملة صادمة يمكن اقتطاعها ونشرها، وهذا التحول البنيوي في وسيلة الطرح ينعكس حتمًا على جوهر المضمون، فيغدو التفكير أسير الشكل الذي يفرضه الوسيط الرقمي. ومن هنا يمكن فهم لماذا بقيت محاولات هؤلاء المفكرين الرقميين لإعادة تشكيل الوعي الإسلامي محاولات بائسة بالمعنى الدقيق للكلمة، فهي تفتقر إلى الصبر المنهجي والتراكم المعرفي اللذين تقوم عليهما أي نهضة فكرية حقيقية، وتستبدل بهما سرعة الانتشار وبريق اللحظة، وهو رهان خاسر بطبيعته، لأن الوعي الجمعي لا يُعاد تشكيله بمنشورات عابرة ومقاطع مقتضبة، بل بجهد علمي متراكم يحاور التراث بأمانة ويواجه إشكاليات العصر بأدوات رصينة، وهو ما لم يقدمه هذا التيار حتى الآن رغم كل ما أحدثه من ضجيج.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإنترنت, التحصيل العلمي, الديمقراطية المعرفية, الفضاء الرقمي, المؤسسات العلمية, المفكرين الرقميين



