حكايات تطغى على الحكمة..

قراءة نقدية في إسراف الخطباء بالقصص

تحتل خطبة الجمعة مكانة فريدة في المنظومة التعبدية والتربوية للمسلمين، فهي اللقاء الأسبوعي الذي يجتمع فيه الناس على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم العلمية، ليتلقوا زادًا روحيًا وتوجيهًا سلوكيًا يُفترض أن يكون موجزًا في مبناه...
حكايات تطغى على الحكمة..

حكايات تطغى على الحكمة..

قراءة نقدية في إسراف الخطباء بالقصص

تحتل خطبة الجمعة مكانة فريدة في المنظومة التعبدية والتربوية للمسلمين، فهي اللقاء الأسبوعي الذي يجتمع فيه الناس على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم العلمية، ليتلقوا زادًا روحيًا وتوجيهًا سلوكيًا يُفترض أن يكون موجزًا في مبناه، عميقًا في معناه، ومن هنا كانت السنة النبوية واضحة في التوصية بقصر الخطبة وعدم الإطالة فيها، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، أي علامة على فهمه العميق لمقصود الخطبة ووظيفتها. غير أن الملاحظ في كثير من المنابر المعاصرة أن هذه الخصيصة النبوية قد تراجعت لصالح ظاهرة مغايرة تمامًا، وهي الإسراف في سرد القصص والحكايات حتى تكاد الخطبة بأكملها تتحول إلى جلسة سمر قصصي، تُستهلك فيها الدقائق الثمينة في تفاصيل لا تمت لجوهر الموضوع بصلة وثيقة، بينما يتقلص حيز التأصيل الشرعي والتوجيه العملي المباشر إلى أضيق نطاق ممكن.

حين يتحول الوعظ إلى فن الحكي الاستهلاكي

لا شك أن القصة أداة تربوية أصيلة استخدمها القرآن الكريم نفسه في مواضع كثيرة، فقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة وردت في كتاب الله لتحمل عبرة وتثبت قلب المؤمن وتقرب المعنى المجرد إلى الأذهان، وهذا يعني أن الإشكال ليس في القصة بذاتها بل في الكيفية التي وُظفت بها على كثير من المنابر المعاصرة. فحين يتحول الخطيب إلى راوٍ محترف يستهلك جل وقته في سرد تفاصيل قصة تاريخية أو حادثة معاصرة، مسهبًا في وصف المشاهد وتصوير الحوارات وتوليد التشويق لدى الحاضرين، فإنه يكون قد استبدل بوظيفة المنبر التربوية وظيفة أخرى أقرب إلى فن الحكي الاستهلاكي الذي يستهدف إمتاع السامع أكثر مما يستهدف تزكيته وتعليمه. وهذا التحول لا يخلو من مفارقة دقيقة، فالخطيب الذي يقصد إمتاع جمهوره وإبقاءه متيقظًا مشدودًا حتى نهاية الخطبة، قد ينسى أن وظيفته الأصلية ليست الترفيه بل التذكير، وأن نجاح الخطبة لا يُقاس بمقدار تفاعل الحاضرين اللحظي مع الحكاية، بل بمقدار ما ترسخ في قلوبهم من معنى شرعي يغير سلوكهم ويهذب أخلاقهم بعد انصرافهم من المسجد.

تضييق مساحة التأصيل الشرعي والفقه العملي

من أخطر الآثار المترتبة على هذا الإسراف القصصي أنه يستنزف الوقت المحدود للخطبة على حساب ما هو أولى وأوجب، وهو التأصيل الشرعي الدقيق والفقه العملي الذي يحتاجه المصلون في شؤون عباداتهم ومعاملاتهم اليومية. فالخطبة التي تخصص ثلثيها أو أكثر لسرد قصة مطولة، لا يبقى لها من الوقت إلا فسحة ضيقة لا تكفي لبيان حكم شرعي بأدلته، أو تفصيل مسألة فقهية يحتاجها عموم الناس، أو توضيح شبهة عقدية منتشرة تستدعي الرد العلمي المؤصل. وهكذا يخرج المصلي من الجمعة وقد استمتع بقصة جميلة الحبكة، لكنه لم يزدد علمًا بأحكام دينه، ولم يتلق توجيهًا عمليًا واضحًا يطبقه في واقع حياته، وهذا يتناقض مع الحكمة التي شُرعت الخطبة من أجلها، فهي في أصلها مجلس تعليم وتذكير قبل أن تكون مجلس حكايات وأسمار. والأخطر من ذلك أن هذا النمط يُنشئ لدى المصلين تصورًا مغلوطًا عن طبيعة الدين نفسه، إذ يعتادون أن يكون الحضور الأسبوعي للمسجد مناسبة للاستماع إلى حكايات مشوقة، بدل أن يكون فرصة للتزود بعلم شرعي يحصنهم في مواجهة تحديات عصرهم المتجددة.

إشكالية صحة الروايات وضعف التمحيص العلمي

يزيد من خطورة هذه الظاهرة أن كثيرًا من القصص التي تُساق على المنابر لا تخضع لأدنى درجات التمحيص العلمي قبل عرضها على الجمهور، فيروي بعض الخطباء قصصًا واهية الإسناد أو منكرة المتن، بل قد تكون من الإسرائيليات التي حذر منها العلماء، أو من الحكايات الشعبية التي لا سند لها البتة، ظانين أن مجرد كون القصة مؤثرة عاطفيًا يكفي مسوغًا لإيرادها دون تدقيق في صحتها. وهذا التساهل يفتح بابًا خطيرًا لدخول معلومات مغلوطة إلى الوعي الجمعي للمصلين، إذ يتلقون هذه القصص من فوق منبر رسمي يحمل صفة التوثيق والاعتماد الشرعي، فتترسخ في أذهانهم على أنها حقائق دينية ثابتة، بينما هي في حقيقتها روايات ضعيفة أو موضوعة لا تصمد أمام أدنى فحص علمي جاد. وقد نبّه العلماء منذ القديم إلى خطورة هذا الأمر، محذرين من التحديث بكل ما يُسمع دون تثبت، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمقام يُفترض فيه أعلى درجات الأمانة العلمية، فالمنبر ليس مجلسًا اجتماعيًا عاديًا يُتسامح فيه بمثل هذا التساهل، بل هو موضع تبليغ عن الدين يستوجب من صاحبه أن يتحرى الدقة والصحة في كل ما يورده مهما بدت القصة مؤثرة أو جذابة في ظاهرها.

بين الاعتدال في استخدام القصة وضبط وظيفتها التربوية

لا يعني هذا النقد الدعوة إلى إلغاء القصة كليًا من فن الخطابة المنبرية، فهذا تطرف مقابل يُفقد الخطبة أحد أساليبها التربوية الفعالة التي أقرها القرآن الكريم نفسه، وإنما المقصود ضبط هذا الأسلوب بميزان الاعتدال والوظيفية، بحيث تكون القصة وسيلة مساعدة توضح المعنى وتقربه، لا غاية في ذاتها تستقل بمساحة الخطبة كاملة. فالخطيب الحاذق هو من يُحسن اختيار القصة المناسبة الموثقة، ويوظفها في أضيق مساحة زمنية ممكنة بما يخدم المقصد الأساسي للخطبة، ثم يعود سريعًا إلى صلب الموضوع ليستثمر الأثر العاطفي الذي أحدثته القصة في ترسيخ المعنى الشرعي المقصود، لا أن يجعل من القصة نفسها محور الخطبة ومقصدها الأعلى. وهذا التوازن الدقيق بين الإيجاز والتأثير هو عين ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه، فقصر الخطبة مع عمق معناها لا يتحققان إلا حين يعرف الخطيب متى يستخدم القصة ومتى يتجاوزها إلى ما هو أوجب، ومتى يكتفي بالإشارة الموجزة بدل الاسترسال الذي يستنزف الوقت دون طائل تربوي يوازي هذا الاستنزاف.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
«يا رسول الله ائذن لي بالزنا»..
تظل مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الناس مدرسة متكاملة في الرحمة والحكمة وحسن التربية،...
المزيد »
من هزيمة الخزندار إلى نصر شقحب..
لم تكن معركة وادي الخزندار عام 1299 مجرد مواجهة عسكرية انتهت بانسحاب الجيش المملوكي أمام المغول، وإنما...
المزيد »
قلعة أرداهان..
في شمال شرقي تركيا، تقف قلعة أرداهان شامخة فوق موقعها المميز، شاهدة على قرون طويلة من التاريخ، ومتحولة...
المزيد »
«اللهم ابتله بمصيبتي»..
تحمل كتب التراث كثيرا من القصص التي تسلط الضوء على علاقة الحاكم بالمحكوم، وتكشف أن العدل لا يقاس فقط...
المزيد »
حادثة الفيل..
تعد حادثة أصحاب الفيل من أبرز الأحداث التي ارتبطت بتاريخ مكة المكرمة قبيل مولد النبي محمد ﷺ، وقد تركت...
المزيد »
الاستغفار في المجالس وخواتيم اللقاءات..
تعد المجالس واللقاءات من أكثر المواطن التي تتكرر في حياة الإنسان، سواء كانت مجالس عائلية أو اجتماعية...
المزيد »
رحمة النبي ﷺ بالأطفال والضعفاء..
كانت الرحمة من أبرز السمات التي ميزت شخصية النبي محمد ﷺ، فلم تكن الرحمة في سيرته مجرد معنى نظري أو شعار...
المزيد »
«اختلاف أمتي رحمة»..
تنتشر بين المسلمين عبارات كثيرة ترتبط بالدين والسنة النبوية، ويجري تداول بعضها على أنها أحاديث عن النبي...
المزيد »
علم الحديث بين الرواية والدراية..
علم الحديث من أجل العلوم الإسلامية وأهمها، لما له من صلة مباشرة بحفظ السنة النبوية ونقلها وفهمها، فهي...
المزيد »
اللام الصامتة والناطقة..
من عجائب هذه اللغة التي حملت كتاب الله، أن حرفًا واحدًا لا يتجاوز رسمه خطًّا صغيرًا، هو لام التعريف،...
المزيد »
سورة التوبة..
تعد سورة التوبة من السور المدنية التي تناولت عددا من القضايا المهمة التي واجهها المجتمع المسلم في المدينة...
المزيد »
«فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا»..
تعد قصة أصحاب الكهف من القصص القرآنية التي تجمع بين العبرة الإيمانية والدقة البالغة في التعبير، فقد عرض...
المزيد »
«والليل إذا يغشاها»..
تتضمن سورة الشمس مجموعة من الآيات التي تقسم بمظاهر عظيمة من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى في الكون، فتبدأ...
المزيد »
«يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر»..
تعد آيات تحريم الخمر من الآيات العظيمة التي كشفت موقف الإسلام من كل ما يفسد عقل الإنسان ويضر بدينه ودنياه،...
المزيد »
البصيرة في الإسلام..
تعد البصيرة من أعظم المعاني التي دعا إليها الإسلام، فهي ليست مجرد معرفة بالمعلومات أو القدرة على إدراك...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك