«كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل»..

الرد على دعاوى اليهود وإبطال حجتهم

تتناول سورة آل عمران جانبا مهما من الحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب، وتكشف كيف واجه القرآن الكريم بعض دعاوى اليهود بالحجة والدليل...
«كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل»..

«كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل»..

الرد على دعاوى اليهود وإبطال حجتهم

تتناول سورة آل عمران جانبا مهما من الحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب، وتكشف كيف واجه القرآن الكريم بعض دعاوى اليهود بالحجة والدليل. ومن أبرز الآيات في هذا السياق قوله تعالى: “كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين”، وهي الآية الثالثة والتسعون من سورة آل عمران.

وتوضح الآية أن كثيرا من الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل قبل نزول التوراة، وأن ما كان قد امتنع عنه إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام، لم يكن تحريما شرعيا من الله على بني إسرائيل في ذلك الوقت.

سياق نزول الآية

وردت في كتب التفسير روايات متعددة في سياق هذه الآية، ومن أشهرها ما ذكره المفسرون في حوار اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم حول بعض الأطعمة التي كانت مباحة في شريعة الإسلام، ومنها لحوم الإبل وألبانها.

وقد احتج بعض اليهود بأن ما حرموه كان محرما في شريعة إبراهيم عليه السلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حين أحله لم يكن متبعا لملة إبراهيم. فجاء القرآن الكريم ليرد على هذه الدعوى، ويبين أن الأصل أن الطعام كان حلالا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة، باستثناء ما حرمه إسرائيل على نفسه.

كما ورد في تفسير البغوي أن الآية جاءت ردا على قول اليهود إنهم على ملة إبراهيم، مع اعتراضهم على أكل النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الإبل وألبانها. فأبطل القرآن حجتهم وطالبهم بالرجوع إلى التوراة نفسها لإثبات ما يدعونه.

من هو إسرائيل المذكور في الآية؟

المقصود باسم “إسرائيل” في الآية هو يعقوب عليه السلام، وهو نبي الله وابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

وكان يعقوب عليه السلام أبا لأسباط بني إسرائيل، ومن ذريته نشأت أمة بني إسرائيل. ولذلك فإن إطلاق اسم إسرائيل على يعقوب عليه السلام معروف في القرآن الكريم، كما أن ذريته نسبت إليه فقيل: بنو إسرائيل.

وقد ذكر الطبري أن المقصود بإسرائيل هنا يعقوب، وأن ما كان قد حرمه على نفسه وقع قبل نزول التوراة.

ماذا حرم إسرائيل على نفسه؟

اختلفت الروايات التي نقلها المفسرون في تحديد الطعام الذي حرمه يعقوب عليه السلام على نفسه.

ومن أشهر ما ورد أنه أصيب بمرض عرق النسا، فكان يعاني منه، فنذر أو حلف أنه إذا شفاه الله منه فلن يأكل نوعا معينا من الطعام. وورد في بعض الروايات أنه حرم على نفسه العروق، بينما ذكرت روايات أخرى أن الأمر تعلق بلحوم الإبل وألبانها.

وقد نقل الطبري هذه الأقوال، ثم رجح أن يعقوب عليه السلام كان قد حرم ذلك على نفسه قبل نزول التوراة، وأن هذا التحريم لم يكن تشريعا عاما من الله لبني إسرائيل في ذلك الوقت.

ولهذا ينبغي عدم الجزم بتفصيل واحد في تحديد الطعام المقصود دون الإشارة إلى اختلاف الروايات الواردة في كتب التفسير.

معنى قوله تعالى: كل الطعام كان حلا

المقصود بقوله تعالى: “كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل” أن الأطعمة كانت في الأصل مباحة لبني إسرائيل قبل نزول التوراة، ولم يكن التحريم الذي ادعاه اليهود ثابتا عليهم من شريعة سابقة على الوجه الذي زعموه.

أما الاستثناء في قوله تعالى: “إلا ما حرم إسرائيل على نفسه” فيشير إلى ما امتنع عنه يعقوب عليه السلام على نفسه، ثم صار بنوه يتبعونه في ذلك.

ويبين هذا المعنى أن الإنسان قد يمتنع عن بعض المباحات لنذر أو سبب شخصي، لكن لا يصح أن ينسب ذلك إلى الله على أنه حكم شرعي عام من غير دليل.

لماذا قال الله: فأتوا بالتوراة؟

بعد بيان الحقيقة، جاء التحدي القرآني الواضح: “قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين”.

فلم يكتف القرآن بمجرد الرد على الدعوى، وإنما طلب من اليهود الرجوع إلى كتابهم وإقامة الدليل منه. وهذا أسلوب قرآني يقوم على الاحتجاج بالحجة وإلزام الطرف الآخر بما يقر به.

فإذا كانت دعواهم صحيحة، فعليهم أن يأتوا بالتوراة ويثبتوا منها أن هذه الأطعمة كانت محرمة على بني إسرائيل قبل نزولها. وقد بين المفسرون أن هذا التحدي كشف ضعف دعواهم، لأن الآية تتحدث عن الفترة السابقة لنزول التوراة.

الآية وعلاقة التحريم بالشرائع

وتشير الآية إلى قضية مهمة تتعلق بتغير بعض الأحكام الشرعية من شريعة إلى أخرى، وهو ما يسمى بالنسخ.

فقد جاءت شرائع الأنبياء بأحكام تناسب أقوامهم وأزمنتهم، وقد يحل الله في شريعة ما حرمه في شريعة أخرى، أو يشرع حكما مختلفا لحكمة يعلمها سبحانه.

وقد استخدم المفسرون هذه الآية في بيان الرد على من أنكر إمكان النسخ، حيث ذكر ابن كثير أن القرآن احتج على اليهود بما كان موجودا في تاريخ الشرائع السابقة من تغير بعض الأحكام.

ارتباط الآية بظلم بني إسرائيل

وتتضح الصورة أكثر عند قراءة الآية في سياق الآيات اللاحقة، وما ورد في سورة النساء من قوله تعالى: “فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم”.

وقد بين ابن كثير أن الله حرم على اليهود بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم، وهو ما يوضح أن التحريم في بعض مراحل شريعتهم لم يكن دليلا على أن تلك الأطعمة كانت محرمة في جميع الشرائع السابقة.

أهم الدروس المستفادة من الآية

تحمل الآية عددا من المعاني والدروس، من أبرزها أهمية التثبت من الأحكام الشرعية وعدم نسبة حكم إلى الله دون دليل، وضرورة الرجوع إلى المصادر المعتبرة عند الاختلاف.

كما تعلمنا الآية أن الحوار ينبغي أن يقوم على الحجة والبرهان، وأن من يدعي أمرا عليه أن يقدم الدليل عليه، ولذلك جاء التحدي بإحضار التوراة وقراءتها.

وتبين كذلك أن التشريع لله وحده، وأن ما يحله الله وما يحرمه لا يثبت بمجرد العادات أو الادعاءات، بل يحتاج إلى دليل شرعي.

وبذلك تكشف الآية عن جانب من منهج القرآن في الحوار مع أهل الكتاب، إذ يجمع بين بيان الحقيقة، وتصحيح المفاهيم، وإقامة الحجة، والدعوة إلى الإنصاف والرجوع إلى الدليل.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك