![]()
العلاء الحضرمي..
دعاء مستجاب وتأييد بالكرامة
العلاء بن عبد الله الحضرمي، ذلك الصحابي الجليل الذي كانت حياته سلسلة متصلة من المواقف التي تُعجز العقل وتُذهل المنطق، وتُعيد إلى الإنسان ثقته بأن الإيمان الحق لا يعترف بمستحيل.
لم يكن العلاء الحضرمي من المُكثرين في روايات السيرة ولا من أبطال المشاهد الأولى التي يتنافس المؤرخون على تدوينها، بيد أن كرامةً واحدة بعينها كفيلةٌ بأن تجعله خالداً في الذاكرة الإسلامية ما بقيت هذه الذاكرة؛ تلك هي يوم أن وقف بجيشه على شاطئ البحرين وقد قطع الطريق أمامهم، فرفع يديه إلى السماء ومشى، فمشى الجيش خلفه على سطح الماء كأنهم يسيرون على أرضٍ صلبة.
سيرةٌ في التجرد والإخلاص
وُلد العلاء بن عبدالله الحضرمي في حضرموت، تلك الأرض اليمنية التي طالما أنجبت رجالاً يحملون في صدورهم ناراً من الإيمان لا تخمد. وقد أسلم مبكِّراً في صدر الإسلام الأول، وكان ممن آمنوا قبل أن يُصبح الإيمان مأمون العاقبة أو مضموناً الجوار، في زمنٍ كان فيه الإسلام غريباً بين أهله، وكانت الشهادة بالتوحيد تُكلِّف أحياناً الدم.
وقد اختاره النبي صلى الله عليه وسلم على بصيرةٍ نافذة عاملاً على البحرين، فأقام فيها وأتقن عمله وأدَّى أمانته على الوجه الذي يرضاه الله ورسوله. وفي هذا الاختيار النبوي شهادةٌ لا تُعلى عليها، إذ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يختار لمواقع المسؤولية إلا من جمع بين الأمانة والكفاءة. وقد أحسن العلاء في ولايته وأدَّى الزكاة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل البحرين، وكانت علاقته بالنبي علاقة المحبِّ الوفي الذي يجد في طاعة النبي معنى وجوده.
وكان العلاء رضي الله عنه ممن يُضرب بهم المثل في الدعاء والتوكل على الله، وقد شاع عنه في صحابة النبي أن دعاءه مُستجاب، وأن بينه وبين الله صلةً خاصة يُدركها المؤمنون بقلوبهم قبل أن تُدركها عقولهم. ولعلَّ هذه المكانة الروحية الرفيعة هي التي هيَّأته لأن يكون صاحب تلك الكرامات الخارقة التي خلَّدها المؤرخون وأوردها المحدِّثون بأسانيد معتبرة.
سياق صنع الأسطورة
في أعقاب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، اشتعلت الجزيرة العربية بفتنة الردة، تلك الهزَّة الكبرى التي اختبرت صلابة الدولة الوليدة واختبرت معها صلابة الرجال. وكانت البحرين من المناطق التي لفحتها نار الردة، حين ارتدَّ كثيرٌ من أهلها وانضمَّ بعضهم إلى المرتدِّين في شبه الجزيرة.
وكان العلاء الحضرمي قد تولَّى قيادة جيش المسلمين في تلك المنطقة، يُعيد اللُّحمة إلى ما تفرَّق ويُطفئ جمرات الفتنة بحكمةٍ وبأس. وقد سار بجيشه يطوي المسافات ويتعقَّب المرتدِّين، حتى وصل إلى ساحل خليجٍ مائي واسع — يُرجَّح أنه خليج البحرين أو ما يتصل به من مياه الخليج العربي — فوجد أن العبور ضرورةٌ حتمية لا غنى عنها لملاحقة العدو، وليس بين يديه من السفن والعدد ما يكفي لنقل جيشٍ بأكمله.
وهنا بلغ الموقف ذروته الدرامية؛ فالعدو في الجانب الآخر يتحصَّن ويستعدّ، والجيش المسلم على الشاطئ لا يرى مخرجاً، والوقت لا يتَّسع للانتظار ولا تسمح الموازين العسكرية بالتراجع. وفي مثل هذه اللحظات التي يتوقَّف فيها القادة العسكريون ويُعيدون حساباتهم، كان العلاء الحضرمي يلجأ إلى حسابٍ آخر من نوعٍ مختلف تماماً.
لحظة وقوع الكرامة
وقف العلاء الحضرمي على شاطئ ذلك الخليج، ونظر إلى الماء نظرة الواثق لا نظرة اليائس، ثم رفع يديه إلى السماء بدعاءٍ تتوارد روايته في كتب الحديث والتاريخ، دعاءٍ جمع فيه بين ثلاثة أسماء قيل إنها الاسم الأعظم الذي إذا دُعي الله به أجاب: «يا علي يا عظيم يا حليم». ولم يطل به الوقوف ولم يطل انتظاره؛ فما إن أتمَّ دعاءه حتى أقدم على الماء ومشى، فلم يغرق ولم يرسب، وتبعه الجيش كله يمشي على سطح الماء بخيله وعتاده، حتى قطعوا الخليج وبلغوا الجانب الآخر وكأنهم لم يعبروا ماءً قط.
وقد تعدَّدت الروايات في وصف تفاصيل هذه الكرامة ومقدار غلوِّ الماء على أقدام الجنود؛ فبعض الروايات تقول إن الماء لم يتجاوز أرساغهم، وبعضها يصفه بأنه بلَّل سنابك الخيل دون أن تسوخ فيه. وفي كلتا الروايتين تقريرٌ للمعجزة وإثباتٌ لها، وإن تفاوتت في درجة الوصف وتفصيله. ومن اللافت أن أحداً من الجيش — فيما تُفيد الروايات — لم يتردَّد ولم يتوقَّف، بل ساروا جميعاً وراء قائدهم بقلوبٍ ملأها اليقين أن الذي أمشى موسى على البحر لا يعجزه أن يُجري لعباده المؤمنين سنناً من سننه الخفية.
وقد أورد هذه الكرامة من المؤرخين والمحدِّثين جمعٌ كبير، في مقدَّمتهم ابن كثير في «البداية والنهاية»، وابن حجر في «الإصابة في تمييز الصحابة»، وأبو نعيم الأصبهاني في «دلائل النبوة»، وابن سعد في «الطبقات الكبرى». وقد تعامل العلماء مع هذا الخبر تعاملاً متفاوتاً: فبعضهم قبله وأثبته في باب كرامات الأولياء، وبعضهم تأوَّله وبعضهم توقَّف فيه، إلا أن شُهرته وتواتر ذكره في المصادر المعتبرة يجعله من أقوى الكرامات المنقولة عن الصحابة رضوان الله عليهم.
وفاةٌ في سبيل الله ودرسٌ لا يُنسى
مضى العلاء الحضرمي بعد كرامة المشي على الماء في مسيرته الجهادية، لا يلتفت إلى ما صنع الله على يديه التفات المتباهي أو المعجَب بنفسه، بل يمضي كما بدأ: عبداً يُؤدِّي ما عليه ويترك ما وراء ذلك لله. وقد واصل قيادة جيشه في فارس والبحرين وما حولهما، في حروب الردة أولاً ثم في الفتوحات الإسلامية الكبرى التي امتدَّت بعدها.
وكانت وفاته رضي الله عنه في أرض الجهاد، عام ثلاثة عشر من الهجرة — على الراجح من أقوال المؤرخين — حين كان يسير بجيشه في أرض فارس متوجِّهاً نحو الأهواز. وقد أُخذ فجأةً بالموت وهو في الطريق، فمات في قفرٍ من الأرض بعيداً عن المدينة، ودُفن هناك حيث أدركه القدر. وتقول بعض الروايات إن جيشه انتظر ثلاثة أيام ولم يجدوا أثراً لقبره في الصباح، كأن الأرض أخذت وديعتها في صمت، وكأن هذا الرجل الذي مشى على الماء رحل كما عاش: في سرٍّ بينه وبين الله.
وتبقى قصة العلاء الحضرمي في مرآة التاريخ أكثر من مجرَّد كرامةٍ خارقة تُروى للتعجُّب والاستغراب؛ إنها شهادةٌ على أن الإيمان حين يبلغ مداه في قلب إنسانٍ يُحوِّل طبيعة علاقته بالكون من علاقة الخضوع إلى علاقة الألفة، ومن علاقة الخوف إلى علاقة الثقة. فالعلاء لم يمشِ على الماء لأنه أراد أن يُعجب الناس أو يُثبت لهم شيئاً، بل مشى لأنه كان يعلم أن الله الذي خلق الماء قادرٌ على أن يجعله صلباً كالأرض حين تقتضي حكمته ذلك، وأن الدعاء بقلبٍ حاضر ويقينٍ راسخ هو المفتاح الذي لا يخطئ القفل.
وقد أُثر عنه رضي الله عنه أنه قال يوماً: «لو أن عبداً دعا الله بهؤلاء الكلمات ما أخطأه الإجابة وإن كان في جوف بحر». وكأنه يُلمِّح بقوله إلى تجربته هو بالذات، تجربة الرجل الذي جرَّب أن يدعو في «جوف بحر» حقيقي فأجابه الله ومشى.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | البحرين, الخليج العربي, العلاء بن عبد الله الحضرمي, النبي صلى الله عليه وسلم, اليمن, شبه الجزيرة العربية



