![]()
الوحي.. ركن الدين الذي لا يقوم بناء النبوة إلا عليه
الوحي في العقيدة الإسلامية هو الجسر الذي عبرت عليه الحقيقة الإلهية إلى الوجود الإنساني، فلولاه لبقي الغيب مغلقًا والحقائق الكبرى عن الله وصفاته وشرعه حبيسة عالم لا سبيل للعقل البشري إلى إدراكه بمفرده.
وقد اعتنى أهل السنة والجماعة بتقرير حقيقة الوحي وضبط مفهومه ضبطًا دقيقًا، بعيدًا عن تأويلات الفرق التي حاولت تفسيره تفسيرًا عقليًا مجردًا يفرغه من حقيقته الربانية، أو تصوره تجربة نفسية داخلية تصدر عن ذات النبي لا عن مصدر خارجي متعالٍ عليه، فالوحي عند أهل السنة أمر حقيقي واقعي، تلقاه الأنبياء من الله سبحانه بوسائل محددة، وهو ركن لا يقوم بناء النبوة إلا عليه، ولا يستقيم فهم الدين كله إلا بفهم حقيقته أولًا.
حقيقة الوحي ومعناه في الاعتقاد الصحيح
يُعرّف علماء أهل السنة الوحي بأنه إعلام الله تعالى لأنبيائه ورسله بما يريد إطلاعهم عليه من الشرائع والحقائق، سواء كان ذلك بإلقاء مباشر في القلب أو بواسطة ملك كريم. وهذا التعريف يحمل في طياته إثبات أمرين أساسيين لا محيد عنهما في الاعتقاد الصحيح، أولهما أن الوحي صادر عن الله عز وجل حقيقة لا مجازًا، فليس نتاج تأمل بشري أو استنباط عقلي مهما بلغ صاحبه من رجاحة الفكر وصفاء الروح، وثانيهما أن الوحي وصل إلى الأنبياء بطرق محسوسة معلومة، لا بمعنى الإلهام الغامض الذي يخالج القلوب دون ضابط أو دليل. وقد فرّق العلماء بين الوحي النبوي الذي يحمل تشريعًا ملزمًا للأمة، وبين الإلهام الذي قد يقع لغير الأنبياء من الصالحين، فالإلهام لا يُعد مصدرًا للتشريع ولا حجة يُبنى عليها حكم شرعي، بخلاف الوحي الذي هو أصل الدين ومصدر الشريعة الأول، وبهذا التفريق يُغلق الباب أمام كل من أراد أن يُدخل تصوراته الشخصية أو مكاشفاته الذاتية في مقام الوحي المعصوم.
صور الوحي وطرق تلقيه عن رب العالمين
بيّنت النصوص الشرعية أن الوحي لم يأتِ الأنبياء على صورة واحدة، بل تنوعت طرقه بحسب حكمة الله تعالى ومقتضى الحال. فمنه ما كان رؤيا صادقة في المنام، وهي الصورة التي بدأ بها الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول جبريل عليه، حتى كانت الرؤيا تأتيه مثل فلق الصبح وضوحًا وتحققًا. ومنه ما كان إلهامًا مباشرًا يُلقيه الله في قلب نبيه دون واسطة، ومنه ما كان كلامًا يسمعه النبي من وراء حجاب كما كلّم الله موسى عليه السلام تكليمًا حقيقيًا في جبل الطور دون واسطة ملك. ومنه، وهو الأشرف والأكمل، ما كان بواسطة الملك جبريل عليه السلام، الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا في صورته الملكية الأصلية ذات الأجنحة، وأحيانًا أخرى في صورة رجل يخاطب الصحابة فلا يعرفونه، كما جاء في حديث جبريل المشهور حين سأل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم حال نزول الوحي عليه بأنه كان يأتيه أحيانًا في صورة صلصلة الجرس، وهي أشد الصور عليه، حتى يتفصد جبينه عرقًا في اليوم الشديد البرد، وهذا التنوع في صور الوحي يشهد على أن الأمر لم يكن تجربة نفسية منضبطة بمزاج واحد، بل كان تنزلًا ربانيًا له كيفيات محسوسة شهدها الصحابة وتواترت أخبارها.
عصمة الوحي وحفظه من كل دخل بشري
من أهم ما يقرره أهل السنة والجماعة في باب الوحي أن الله تعالى تكفل بحفظه من أي تحريف أو زيادة أو نقصان، سواء في حال نزوله أو في مراحل تبليغه وتدوينه. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان معصومًا في تلقي الوحي وأدائه، لا يزيد فيه من عنده ولا ينقص، وقد نفى القرآن الكريم عن النبي أي احتمال لأن يكون الوحي نابعًا من هوى نفسه، مؤكدًا أن ما ينطق به في أمر الدين ليس إلا وحيًا يُوحى إليه. وهذه العصمة لا تعني انعدام الجانب البشري في شخص النبي، فهو بشر يأكل ويشرب ويخطئ في أمور الدنيا التي لا علاقة لها بالتبليغ، لكنه معصوم فيما يتعلق بتبليغ الرسالة عصمة كاملة، وهذا التمييز الدقيق بين الجانب البشري في حياة النبي اليومية وبين وظيفته التبليغية هو ما حفظ للوحي نقاءه وللشريعة سلامتها عبر القرون. كما اعتنى أهل السنة ببيان أن القرآن الكريم، وهو أعظم صور الوحي وخاتمها، محفوظ بحفظ الله له، فلم يتطرق إليه تبديل ولا تحريف منذ نزوله، خلافًا لما وقع في الكتب السماوية السابقة التي طالتها يد التحريف بعد رفع الوحي الحافظ لها.
أثر انقطاع الوحي وموقعه من ختم النبوة
يمثل انقطاع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم محطة عقدية بالغة الأهمية عند أهل السنة، إذ يقررون أن الوحي التشريعي قد ختم بختم النبوة، فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ولا وحي جديد يُنتظر، وهذا الأصل هو الحاجز المنيع أمام كل من ادعى نبوة كاذبة أو زعم تلقي وحي مستأنف عبر التاريخ الإسلامي. وقد ترتب على هذا الختم أن أصبح القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة هما المرجعية الوحيدة التي تستمد منها الأمة أحكام دينها، فلا مجال بعد اليوم لمن يدّعي إلهامًا يعلو على النص أو كشفًا يوازي مقام الوحي، مهما بلغت درجة صاحبه في الصلاح والتقوى. ومع ذلك فإن انقطاع الوحي التشريعي لا يعني انقطاع صلة السماء بالأرض بالكلية، فقد بقيت الرؤيا الصالحة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، جزءًا من أجزاء النبوة الباقية للمؤمنين، لكنها تبقى في مقام أدنى بكثير من مقام الوحي، لا تُبنى عليها أحكام ولا تُنسخ بها نصوص، وبهذا يكتمل التصور العقدي لموضوع الوحي عند أهل السنة والجماعة، تصورًا يجمع بين إثبات حقيقته الربانية وضبط حدوده الزمانية بما يحفظ للدين نقاءه وللشريعة كمالها إلى يوم القيامة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أهل السنة والجماعة, الحقيقة الإلهية, العقيدة الإسلامية, الوحي



