«وعنت الوجوه للحي القيوم»..

انقطاع أسباب القوة البشرية أمام قدرة الله وعظمته

وردت هذه الآية الكريمة في سورة طه ضمن مشهد من مشاهد يوم القيامة، قال تعالى: "وعنت الوجوه للحي القيوم * وقد خاب من حمل ظلما" (طه: 111). وتأتي الآية في سياق بيان عظمة الله سبحانه...
«وعنت الوجوه للحي القيوم»..

«وعنت الوجوه للحي القيوم»..

انقطاع أسباب القوة البشرية أمام قدرة الله وعظمته

وردت هذه الآية الكريمة في سورة طه ضمن مشهد من مشاهد يوم القيامة، قال تعالى: “وعنت الوجوه للحي القيوم * وقد خاب من حمل ظلما” (طه: 111). وتأتي الآية في سياق بيان عظمة الله سبحانه وتعالى، وانقطاع أسباب القوة البشرية أمام قدرته، وخضوع الخلائق جميعا لجلاله وسلطانه يوم القيامة.

وتكشف الآية عن حقيقة عظيمة، وهي أن جميع الوجوه التي كانت في الدنيا تتفاوت في القوة والجاه والسلطان، ستكون في ذلك اليوم خاضعة لله تعالى، فلا يملك أحد لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا يستطيع أحد أن يستكبر أو يمتنع عن أمر الله.

معنى “عنت الوجوه”

كلمة “عنت” مأخوذة من الفعل “عنا”، ويقال: عنا يعنو عنوا، إذا خضع وذل وانقاد. ومن هذا المعنى جاءت كلمة “عانية” للأسير الذي يكون في الأسر، لأنه خاضع لمن أسره.

وعليه، فإن معنى قوله تعالى: “وعنت الوجوه للحي القيوم” أن الوجوه خضعت وذلت وانقادت لله سبحانه وتعالى، وأظهرت كمال الخضوع لجلاله وعظمته. والمراد بالوجوه أصحابها، وإنما خصت الوجوه بالذكر لأنها أبرز ما يظهر عليه أثر الخضوع والذل والانقياد.

وقد ذكر المفسرون معاني متقاربة لهذه الكلمة، تدور حول الخضوع والذل والاستسلام لله تعالى. فالإنسان في ذلك اليوم لا يستطيع أن يواجه عظمة الله بشيء من التكبر أو العناد، بل تخضع له جميع الخلائق، ويظهر افتقارها الكامل إلى ربها.

لماذا قال “الوجوه”؟

اختيار “الوجوه” في الآية يحمل دلالة بليغة؛ فالوجه هو موضع ظهور مشاعر الإنسان وأحواله، ومن خلاله يظهر الفرح والحزن والخوف والطمأنينة والخضوع. وعندما يقول الله تعالى: “وعنت الوجوه”، فإنه يصور مشهدا واضحا للخضوع الشامل الذي يظهر على الخلائق في ذلك اليوم.

كما أن التعبير بالوجوه يشمل أصحابها، وهو من أساليب اللغة العربية التي يذكر فيها الجزء ويراد به الكل. فالخضوع هنا ليس خضوع الوجه وحده، وإنما هو خضوع الإنسان بكل كيانه لله سبحانه وتعالى.

معنى “للحي القيوم”

جاء الخضوع في الآية لله تعالى بوصفه “الحي القيوم”. وهما اسمان عظيمان من أسماء الله الحسنى، يجمعان معاني الكمال والعظمة والقدرة.

فالحي هو الذي له الحياة الكاملة التي لا يسبقها عدم ولا يلحقها فناء، وهو سبحانه الحي الذي لا يموت. أما القيوم فهو القائم بنفسه، المستغني عن جميع خلقه، والقائم على خلقه بالتدبير والحفظ والرعاية والرزق.

ولهذا جاء خضوع الخلائق له سبحانه مناسبا لذكر هذين الاسمين؛ فالله هو الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي تقوم به السماوات والأرض وجميع المخلوقات، فلا غنى لأحد عنه، ولا قيام لشيء إلا بإرادته وقدرته.

الخضوع الذي لا يمكن الفرار منه

تلفت الآية إلى حقيقة تختلف عن خضوع الإنسان لله في الدنيا. ففي الدنيا قد يختار الإنسان الطاعة أو يعاند ويستكبر ويعرض عن الحق، أما يوم القيامة فتظهر الحقيقة كاملة، وينكشف ضعف الإنسان، وتسقط مظاهر القوة الدنيوية التي كان يتوهم معها الاستغناء.

فمن كان يملك مالا أو سلطة أو جاها لن يجد شيئا من ذلك يحول بينه وبين الوقوف بين يدي الله، بل يخضع الجميع لحكمه وعدله. ولذلك جاء بعد الآية مباشرة قوله تعالى: “وقد خاب من حمل ظلما”، ليبين أن الخسران الحقيقي يكون لمن حمل الظلم إلى ذلك اليوم ولم يتب منه.

الدرس الإيماني من الآية

تحمل الآية تذكيرا عميقا للإنسان بأن العظمة الحقيقية لله وحده، وأن كل قوة مهما بلغت محدودة وزائلة. وإذا كانت الوجوه كلها ستخضع لله يوم القيامة، فإن السعيد هو من عرف ربه في الدنيا وخضع له اختيارا، قبل أن يأتي يوم يخضع فيه الجميع اضطرارا.

ومن هنا تدعو الآية المسلم إلى التواضع وترك الكبر، وإلى المبادرة بالطاعة ورد الحقوق إلى أصحابها والابتعاد عن الظلم. فالخضوع لله في الدنيا ليس ذلا، وإنما هو كرامة للإنسان؛ لأنه يحرره من الخضوع للمخلوقين والشهوات والأهواء، ويربط قلبه بالخالق سبحانه.

بين الخضوع في الدنيا والخضوع في الآخرة

العبد المؤمن يسعى إلى أن تكون علاقته بالله قائمة على الخضوع والمحبة والتعظيم في الدنيا، فيمتثل أوامره ويجتنب نواهيه، ويستشعر حاجته الدائمة إليه. أما في الآخرة، فتظهر حقيقة العبودية بصورة لا يستطيع أحد إنكارها.

ولهذا فإن قوله تعالى: “وعنت الوجوه للحي القيوم” ليس مجرد وصف لمشهد من مشاهد القيامة، بل هو دعوة للإنسان إلى مراجعة موقفه من ربه قبل الوصول إلى ذلك اليوم. فمن عرف عظمة الله وخضع له طوعا في الدنيا، كان أرجى للنجاة والرحمة يوم القيامة، ومن أصر على الظلم والاستكبار فقد عرض نفسه للخسران.

وتبقى الآية الكريمة صورة بليغة لعظمة الله سبحانه وتعالى، وتذكيرا بأن جميع الخلائق مردها إليه، وأن القوة والملك والعظمة له وحده، وأن أعظم ما يملكه الإنسان هو أن يعيش في الدنيا عبدا لله، متواضعا لربه، مستعدا للقاء اليوم الذي “وعنت الوجوه للحي القيوم”.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك