أخطاء الغنة..

مد يتسلل فيفسد ميزان الأداء

من أدقّ الأصوات التي يتدرّب عليها متعلّم التجويد، وأكثرها عرضة للزلل واللبس، ذلك الصوت الذي يخرج من الخيشوم غير معتمدٍ على اللسان ولا مستقرٍّ في الفم، والمعروف بالغنّة...
أخطاء الغنة..

أخطاء الغنة..

مد يتسلل فيفسد ميزان الأداء

من أدقّ الأصوات التي يتدرّب عليها متعلّم التجويد، وأكثرها عرضة للزلل واللبس، ذلك الصوت الذي يخرج من الخيشوم غير معتمدٍ على اللسان ولا مستقرٍّ في الفم، والمعروف بالغنّة. فهي صفة ملازمة للنون والميم المشدّدتين وما يتصل بهما من أحكام كالإدغام والإخفاء والإقلاب، وهي في ذاتها زمنٌ صوتيٌّ قصير مقداره حركتان، لا يزيد ولا ينقص. وقد يظنّ كثيرٌ من القرّاء أنهم يؤدّون هذه الغنّة على وجهها الصحيح، وهم في الحقيقة يقعون في خطأٍ شائع، لطالما تسلّل إلى الألسنة حتى صار مألوفًا عند كثيرين، وهو توليد حرف مدّ زائد يسبق الغنّة، فيتحوّل صوت الحركة القصيرة إلى مدٍّ ممطوط، ويفسد بذلك ميزان الأداء الذي أراده علم التجويد محفوظًا كما تلقّاه القرّاء الأوّلون.

حركو تطول قبل أن تبدأ الغنّة

القاعدة التي وضعها العلماء في هذا الباب واضحة الحدّ: يجب ألا يتولّد قبل الغنّة أي حرف مدٍّ من جنس الحركة التي تسبقها، وذلك يكون بإشباع الضمّة حتى تتحوّل إلى واو، أو إشباع الكسرة حتى تتحوّل إلى ياء، أو إشباع الفتحة حتى تتحوّل إلى ألف، أو حتى بإشباع حركة حرف الغنّة نفسه. فحين يقرأ القارئ كلمة “كُنتم”، وينطقها “كُونتم”، فإنما وقع في إشباع الضمّة التي على الكاف حتى ولّدت واوًا لا وجود لها في أصل الكلمة، وكذلك حين تُقرأ “مِنكم” فتخرج “مِينكم”، يكون الخطأ في إشباع الكسرة حتى تولّدت ياء زائدة، وعلى النحو ذاته تُقرأ “عَنكم” فتصير “عَانكم” بإشباع الفتحة حتى تولّدت ألفٌ دخيلة. وهذا الخطأ لا يقتصر على حروف بعينها، بل يتكرّر في مواضع شتّى من القرآن الكريم، كما نلمسه في “إنّ الذين” حين تُقرأ “إيّن الذين” بإشباع كسرة الهمزة، أو في “إنّا علينا” حين تُقرأ “إنّا عالينا” بإشباع فتحة العين، أو في “إنّا إلينا” حين تُقرأ “إنّا إيلينا” بإشباع كسرة الهمزة الثانية، وفي كل هذه الأمثلة يتّضح أن جذر الخطأ واحد وإن تعدّدت مواضعه، وهو تحويل حركةٍ قصيرة إلى حرف مدٍّ كامل قبل أن تبدأ الغنّة عملها الصوتي.

دخولٌ مباشر إلى الخيشوم دون توقّف عند حرفٍ زائد

أما وجه الأداء الصحيح، فيكمن في قاعدة أخرى لا تقلّ دقّة عن سابقتها، وهي أنه يجب الدخول على الغنّة من الخيشوم مباشرة، دون مدٍّ يسبقها، بحيث تأخذ الحركة التي قبل حرف الغنّة مكان الغنّة نفسها دون أن يتوسّط بينهما أي صوتٍ دخيل. فحين يريد القارئ أن ينطق “كنتم” على الوجه الصحيح، فإنه يُخرج الكاف بحركتها القصيرة، وينتقل مباشرة إلى غنّة النون الساكنة المخفاة عند التاء، دون أن يمرّ اللسان أو الصوت بمرحلة وسيطة يتولّد فيها حرف مدٍّ زائد. وهذا الانتقال المباشر هو الذي يحفظ للكلمة وزنها الصحيح، ويُبقي الغنّة في حدودها الزمنية المقرّرة، فلا تطول الكلمة عن أصلها، ولا يختل ميزان التلاوة الذي يقوم على توقيتٍ دقيق لكل حركة وسكنة ومدّ وغنّة، تمامًا كما تلقّاه القرّاء بالسند المتّصل جيلًا بعد جيل.

الغنّة عند الوقف لا تتقلقل

ومما نبّه عليه أهل هذا الفن أيضًا، أن الغنّة لا ينبغي أن تتقلقل أو تضطرب عند الوقف عليها، وهو خطأ آخر قد يقع فيه بعض القرّاء دون أن يشعروا بأثره. وسبب هذا التقلقل أن القارئ يفتح المخرج، أي يُبعد اللسان أو الشفتين عن موضع النطق، قبل أن ينتهي صوت الغنّة تمامًا من الخيشوم، فيظهر الصوت وكأنه يهتزّ أو ينقطع بشكل غير منضبط بدلًا من أن يخفت تدريجيًا وينتهي في زمنه المقرّر. والأداء السليم يقتضي أن يبقى القارئ على هيئة المخرج حتى تستوفي الغنّة كامل زمنها من الخيشوم، ثم بعد ذلك ينتقل إلى فتح المخرج، وبهذا يخرج صوت الغنّة عند الوقف ثابتًا مستقرًّا، لا مضطربًا مهتزًّا، محافظًا على تلك الصفة الخيشومية الخالصة التي ميّزت هذا الصوت عن سائر أصوات العربية، والتي أراد علماء التجويد أن تبقى محفوظة بدقّتها كما نزل بها الوحي، وكما تلقّاها الخلف عن السلف دون أن يتسلّل إليها أدنى خلل.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك