ابنة الجون..

قصة زواج قصيرة كشفت عظمة الأخلاق النبوية

تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق النبي ﷺ في التعامل مع الآخرين، فقد كشفت عن رحمته، واحترامه للإرادة، وتعظيمه لاسم الله تعالى...
ابنة الجون..

ابنة الجون..

قصة زواج قصيرة كشفت عظمة الأخلاق النبوية

تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ”ابنة الجون”، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق النبي ﷺ في التعامل مع الآخرين، فقد كشفت عن رحمته، واحترامه للإرادة، وتعظيمه لاسم الله تعالى، حتى في موقف شخصي يتعلق بالزواج.

وكانت أميمة من قبيلة كِندة اليمنية، وهي قبيلة عريقة عُرفت بالسيادة والمكانة بين العرب، وقد قدمت إلى المدينة المنورة بعد زواجها من النبي ﷺ، وأنزلت في منزل وسط بساتين النخل بمنطقة “الشوط” خارج المدينة، حتى تستريح من السفر وتتهيأ للقاء النبي ﷺ.

اللقاء في بستان الشوط وبداية الحوار

خرج النبي ﷺ مع عدد من أصحابه، وكان منهم أبو أُسيد الساعدي رضي الله عنه، حتى وصلوا إلى البستان، فجلس الصحابة خارج المكان، ودخل النبي ﷺ على أميمة.

ووجدها منكسة الرأس، وقد بدا عليها الحياء أو التأثر بالموقف الجديد، فهي امرأة نشأت في بيئة ملكية داخل اليمن، وانتقلت إلى مجتمع المدينة حيث كانت مكانة الإنسان تُقاس بالتقوى والقرب من الله لا بالجاه الدنيوي.

اقترب منها النبي ﷺ بلطف ولين، وقال لها: «هَبِي نَفْسَكِ لِي»، وهي عبارة تحمل معنى الاستئناس والملاطفة بين الزوجين.

اختلاف النظرة بين الملك الدنيوي ومقام النبوة

لكن أميمة، متأثرة بمكانتها السابقة في قومها، نظرت إلى الأمر من زاوية المكانة الاجتماعية، ولم تدرك طبيعة مقام النبوة، فأجابت بقولها: «وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟».

ومعنى “السُّوقة” في لغة العرب ليس أهل الأسواق كما قد يُفهم اليوم، وإنما المقصود بها عامة الناس والرعية ممن ليسوا من طبقة الملوك وأصحاب السلطان الدنيوي.

فكان ردها نابعا من تصور طبقي مرتبط بحياة القصور والملك، لا من إدراك لحقيقة مقام النبي ﷺ الذي جمع بين النبوة والفضل والكرامة الإلهية.

رحمة النبي ﷺ وحرصه على طمأنتها

لم يقابل النبي ﷺ كلامها بغضب أو مؤاخذة، ولم ينظر إلى الأمر باعتباره إساءة شخصية، بل تعامل معها برفق ورحمة، وأراد أن يطمئنها، فأهوى بيده ليضعها عليها برفق حتى تسكن وتأنس.

لكنها في لحظة خوف أو اضطراب قالت: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ».

تعظيم اسم الله والانسحاب بكل احترام

عندما سمع النبي ﷺ هذه الكلمات، لم يجبرها على شيء، ولم يستخدم مكانته أو سلطانه، بل وقف عند استعاذتها بالله فورا، وقال: «قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ» وفي رواية: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ».

ثم خرج من عندها، وأنهى الأمر بكل هدوء واحترام، وأمر الصحابي أبا أُسيد رضي الله عنه أن يكسوها ثوبين فاخرين من “الرازقيتين” وأن يعيدها إلى أهلها، فقال: «يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا».

وهكذا عادت إلى قومها مكرمة دون أن يلحق بها أي أذى، في موقف يجسد رقي التعامل النبوي حتى عند انتهاء العلاقة الزوجية.

الدروس المستفادة من الموقف النبوي

تكشف هذه القصة عن جملة من المعاني العظيمة، من أبرزها أن الزواج في الإسلام يقوم على الرضا والقبول، وأن كرامة الإنسان وإرادته مصونة.

كما تؤكد أن القوة الحقيقية لا تكون في فرض الأمر الواقع، بل في ضبط النفس وحسن الخلق، فقد كان النبي ﷺ صاحب مكانة وسلطان، ومع ذلك اختار الرحمة والرفق.

ومن أعظم ما يظهر في هذا الموقف تعظيم النبي ﷺ لاسم الله تعالى، فقد استجاب فورا للاستعاذة بالله، ولم يجعل الأمر متعلقا بحقه الشخصي، بل قدّم حرمة هذا الاسم العظيم على كل اعتبار.

الروايات المتعلقة بالقصة وموقف أهل الحديث منها

ثبت أصل هذه القصة في صحيح البخاري، ومنها نزول ابنة الجون في بستان الشوط، وحوارها مع النبي ﷺ، وقولها: «أعوذ بالله منك»، ثم قوله ﷺ: «قد عذت بمعاذ»، وأمره بإعادتها إلى أهلها مع كسوتها.

أما بعض الروايات التي ذكرت أن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أخبرنها أن تقول هذه العبارة على سبيل الحيلة، فقد ذكر أهل العلم أنها لا تثبت من جهة الإسناد، وأن المعتمد هو ما ورد في الرواية الصحيحة التي تُظهر أن الأمر كان موقفا عفويا ناتجا عن خوفها أو تصورها السابق.

نموذج من السيرة في حفظ الحقوق وحسن المعاملة

تبقى قصة ابنة الجون شاهدا على سماحة الأخلاق النبوية، وعلى أن التعامل الإسلامي مع الإنسان يقوم على الرحمة والعدل وصيانة الكرامة، كما تقدم صورة واضحة عن عظمة النبي ﷺ في المواقف التي تتطلب الحلم والرفق وحسن التصرف.

روابط وكلمات مفتاحية
التالي
ذات صلة
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »
مراعاة الأولويات..
حين يُقعّد العلماء لمسألة مراعاة الأولويّات في الفقه الإسلامي، فإنّهم لا يتحدّثون عن رفاهيّة فكريّة يتأنّق...
المزيد »
العلاء الحضرمي..
العلاء بن عبد الله الحضرمي، ذلك الصحابي الجليل الذي كانت حياته سلسلة متصلة من المواقف التي تُعجز العقل...
المزيد »
معركة الديبل..
معركة الديبل من أبرز المعارك في تاريخ الفتوحات الإسلامية خلال العصر الأموي، إذ مثلت البداية الفعلية لدخول...
المزيد »
بطولة ابن الجزري أمام أسوار هرقلة..
عندما حاصر الخليفة العباسي هارون الرشيد مدينة هرقلة، إحدى أعظم مدن الروم وأكثرها مكانة لديهم، شهدت ساحات...
المزيد »
بشارات الأنبياء..
جاءت رسالة النبي محمد ﷺ خاتمة لسلسلة الرسالات السماوية، ولم تكن دعوته حدثا منفصلا عن تاريخ الوحي، بل...
المزيد »
عمر بن عبد العزيز..
بعد وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك، تولى عمر بن عبد العزيز أمر الخلافة في موقف كشف منذ اللحظات الأولى...
المزيد »
«كما تدين تُدان»..
جملة "كما تدين تُدان" من العبارات المشهورة التي تجري على ألسنة الناس، ويستعملها الكثيرون للتعبير عن أن...
المزيد »
الدعاء بين الأذان والإقامة..
الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، فهو تعبير عن الافتقار إلى الخالق، وإظهار...
المزيد »
ابتسامة النبي ﷺ..
سيرة النبي محمد ﷺ مدرسة متكاملة في الأخلاق والرحمة والتعامل الإنساني الراقي، فقد جمع الله تعالى له كمال...
المزيد »
الدعاء عند لبس الثوب
السنن النبوية الشريفة كنزا عظيمًا يهتدي به المسلم في تفاصيل حياته اليومية، صغيرها وكبيرها، فهي ليست مقتصرة...
المزيد »
الحديث الموضوع..
يُعد الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد بذل علماء الأمة جهودا...
المزيد »
سورة الأنعام..
سورة الأنعام من السور العظيمة في القرآن الكريم، وهي إحدى السور المكية التي نزلت قبل هجرة النبي ﷺ إلى...
المزيد »
أسباب النزول..
علم أسباب النزول من العلوم المهمة المرتبطة بتفسير القرآن الكريم، فهو يساعد على فهم الآيات من خلال معرفة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك