«خير البر عاجله»..

معنى صحيح ونسبة غير ثابتة إلى النبي

تتردد عبارة "خير البر عاجله" على ألسنة كثير من الناس، ويستعملها البعض في أحاديثهم وكتاباتهم على أنها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصا عند الحث على المبادرة إلى أعمال الخير وعدم تأجيلها...
«خير البر عاجله»..

«خير البر عاجله»..

معنى صحيح ونسبة غير ثابتة إلى النبي

تتردد عبارة “خير البر عاجله” على ألسنة كثير من الناس، ويستعملها البعض في أحاديثهم وكتاباتهم على أنها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصا عند الحث على المبادرة إلى أعمال الخير وعدم تأجيلها. غير أن هذه العبارة بهذه الصيغة لا تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح نسبتها إليه على أنها حديث نبوي.

ومع أن معناها من حيث الأصل حسن، ويتوافق مع الحث الشرعي على المسارعة إلى الطاعات والمبادرة إلى أعمال البر، فإن صحة المعنى لا تعني صحة نسبة العبارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه المسألة تؤكد أهمية التثبت من الأحاديث والأقوال المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قبل تداولها أو نشرها.

الفرق بين صحة المعنى وصحة النسبة

من الأخطاء الشائعة أن يظن الإنسان أن كل عبارة تحمل معنى صحيحا يمكن نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والحقيقة أن علماء الحديث شددوا في نسبة الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الحديث النبوي مصدر من مصادر التشريع، ولا يجوز إثبات شيء عنه بمجرد أن معناه يبدو صحيحا.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”، وهو حديث متواتر، وفيه تحذير شديد من اختلاق الكلام ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وعليه، فإن عبارة “خير البر عاجله” يمكن أن يستأنس بها باعتبارها من العبارات الدارجة التي تحث على المبادرة، لكن لا يصح تقديمها للناس على أنها حديث نبوي.

المعنى الصحيح الذي تدعو إليه الشريعة

إذا نظرنا إلى مضمون العبارة، وجدنا أن المبادرة إلى الخير معنى تؤيده نصوص صحيحة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية. فقد دعا القرآن إلى المسارعة في الخيرات، فقال تعالى: “فاستبقوا الخيرات”.

كما قال سبحانه: “وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين”.

وتشير هذه النصوص إلى قيمة المبادرة وعدم التسويف في الأعمال الصالحة، فالإنسان لا يملك ضمانا لبقاء الفرصة أو امتداد العمر، ولذلك كان من الحكمة أن يغتنم أوقات القدرة والصحة والفراغ في طاعة الله ونفع الناس.

المبادرة إلى الخير من هدي النبي

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على اغتنام فرص الطاعة، وعدم تأخير الأعمال الصالحة إذا توافرت القدرة عليها. ومن الأحاديث الصحيحة في هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: “بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم”.

ففي هذا التوجيه النبوي دعوة واضحة إلى المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن تحول الفتن أو المشاغل أو تقلبات الحياة بين الإنسان وبين ما يريد من الخير.

كما أن الإنسان قد يؤجل عملا صالحا يظن أنه يستطيع القيام به لاحقا، ثم تعرض له ظروف تمنعه منه. ولذلك فإن المبادرة إلى الخير من أسباب اغتنام العمر واستثمار الفرص المتاحة.

لماذا تنتشر العبارة على أنها حديث؟

يرجع انتشار نسبة بعض العبارات إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدة أسباب، من أبرزها تداولها عبر الأجيال دون التحقق من مصدرها، أو اشتهارها في الكتب والمقالات ووسائل التواصل الاجتماعي، أو توافق معناها مع بعض المبادئ الشرعية الصحيحة.

وقد يضيف بعض الناس عبارة “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” قبل مقولة مشهورة، فتنتقل من كونها حكمة أو مثلا دارجا إلى عبارة يظن المتلقي أنها حديث ثابت.

وهنا تظهر مسؤولية المسلم في التحقق قبل النشر، خصوصا في عصر وسائل التواصل التي جعلت انتشار المعلومة أسرع من أي وقت مضى.

لا يكفي أن يكون الكلام جميلا

العبارات الجميلة والمؤثرة كثيرة، وقد تكون بعضها صحيحة المعنى، لكن جمال الأسلوب وقوة المضمون لا يجعلان العبارة حديثا نبويا.

ولهذا ينبغي التفريق بين الحديث النبوي، والقول المأثور، والحكمة، والمثل الشعبي، وكلام العلماء والوعاظ. ولكل نوع منها مكانته، لكن نسبة الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم تحتاج إلى دليل.

ومن الأفضل عندما لا يثبت الحديث أن يقال: “من العبارات المشهورة” أو “يقال”، بدلا من القول: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

كيف نتثبت من الأحاديث؟

يحتاج المسلم إلى عادة مهمة عند قراءة الأحاديث المنتشرة، وهي البحث عن مصدرها قبل نشرها أو الاستدلال بها. وإذا وجد حديثا لا يعرف درجته، فلا ينبغي أن يبادر إلى نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

كما يمكن الرجوع إلى كتب السنة المعروفة ومصادر التخريج الموثوقة، أو سؤال أهل العلم المتخصصين في الحديث، خاصة عندما يتعلق الأمر بعبارة شائعة تنتشر على نطاق واسع.

وهذا التثبت لا يعني رفض المعنى الصحيح للعبارة، وإنما يعني وضعها في موضعها الصحيح، وعدم إعطائها صفة الحديث النبوي من غير دليل.

الخير لا يؤجل بلا سبب

وبالرغم من عدم ثبوت عبارة “خير البر عاجله” حديثا، فإن مضمون المبادرة إلى البر ثابت بأدلة كثيرة، ويستطيع المسلم أن يجعل هذا المعنى منهجا في حياته.

فإذا سنحت له فرصة لمساعدة محتاج، أو صلة رحم، أو صدقة، أو إصلاح بين الناس، أو تعليم خير، أو قضاء حاجة مسلم، فالأولى ألا يؤجل ذلك من غير سبب، لأن الفرص قد لا تتكرر، والأعمار بيد الله تعالى.

ومن هنا يمكن أن تكون العبارة حكمة نافعة إذا استعملت في موضعها الصحيح، مع التنبيه إلى أنها ليست حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالمطلوب ليس ترك المعنى، وإنما تصحيح النسبة، حتى يجتمع نشر الخير مع الأمانة في نقل السنة النبوية.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
أوترانتو..
تعد مدينة أوترانتو في جنوب إيطاليا آخر المدن التي دخلت تحت السيطرة العثمانية في عهد السلطان محمد الفاتح،...
المزيد »
عمرو بن معديكرب..
يعد الصحابي الجليل عمرو بن معديكرب الزبيدي، المعروف بكنيته "أبو ثور"، واحدا من أشهر فرسان العرب الذين...
المزيد »
مولد النبي ﷺ..
ارتبط مولد النبي محمد ﷺ في الذاكرة الإسلامية بجملة من الأحداث والعلامات التي تناولتها كتب السيرة والتاريخ،...
المزيد »
حين خاف الخليفة من الرشوة..
يقدم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز نموذجا بارزا في الزهد والورع ومراقبة الله، فقد جمع بين مسؤولية...
المزيد »
شجاعة الرسول..
كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم نموذجا فريدا في اجتماع صفات القيادة والرحمة والشجاعة، فقد جمع بين قوة...
المزيد »
إطالة السجود في النوافل..
تعد إطالة السجود في النوافل من الأعمال التي تمنح المسلم فرصة ثمينة للوقوف بين يدي الله تعالى في حال من...
المزيد »
حجية خبر الآحاد..
يعد خبر الآحاد من الموضوعات المهمة في علم الحديث وأصول الفقه، لما له من أثر كبير في معرفة الأحكام الشرعية...
المزيد »
أخطاء الغنة..
من أدقّ الأصوات التي يتدرّب عليها متعلّم التجويد، وأكثرها عرضة للزلل واللبس، ذلك الصوت الذي يخرج من الخيشوم...
المزيد »
سورة الأنفال..
سورة الأنفال هي السورة الثامنة في ترتيب المصحف الشريف، وهي من السور المدنية التي تناولت عددا من القضايا...
المزيد »
«وعنت الوجوه للحي القيوم»..
وردت هذه الآية الكريمة في سورة طه ضمن مشهد من مشاهد يوم القيامة، قال تعالى: "وعنت الوجوه للحي القيوم...
المزيد »
«يا بني اركب معنا»..
تقدم قصة نبي الله نوح عليه السلام في القرآن الكريم نموذجا غنيا بالدلالات الإيمانية والتربوية والإنسانية،...
المزيد »
«كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل»..
تتناول سورة آل عمران جانبا مهما من الحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب، وتكشف كيف...
المزيد »
حكايات تطغى على الحكمة..
تحتل خطبة الجمعة مكانة فريدة في المنظومة التعبدية والتربوية للمسلمين، فهي اللقاء الأسبوعي الذي يجتمع...
المزيد »
سراب التنوير الرقمي..
نشأت في العقدين الأخيرين موجة فكرية صاخبة، تتخذ من الفضاء الرقمي منبرًا لها ومن خطاب "التنوير الجديد"...
المزيد »
إشكالية أجور الدعاة..
أعادت حالة الزخم في الفضائيات ومنصات التواصل تشكيل صورة الداعية المعاصر، كما أبرزت إشكالية دقيقة تستحق...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك