قراءة البسملة في الصلاة

بين الجهر والإسرار واختلاف الفقهاء

البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة، وبخاصة عند قراءة سورة الفاتحة التي تعد ركنا من أركان الصلاة عند جمهور العلماء...
قراءة البسملة في الصلاة

قراءة البسملة في الصلاة

بين الجهر والإسرار واختلاف الفقهاء

البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة، وبخاصة عند قراءة سورة الفاتحة التي تعد ركنا من أركان الصلاة عند جمهور العلماء. والمقصود بالبسملة قول: “بسم الله الرحمن الرحيم”، وهي الآية التي تُفتتح بها سور القرآن الكريم، عدا سورة التوبة.

وقد اختلف العلماء في حكم قراءة البسملة في الصلاة، وبالأخص في مسألة هل تُقرأ جهرًا عند قراءة الفاتحة في الصلوات الجهرية أم تُقرأ سرًّا؟ ويعود سبب الاختلاف إلى اختلافهم في بعض الأدلة الواردة في هذه المسألة، وكيفية الجمع بينها، مما أدى إلى تعدد أقوال المذاهب الفقهية.

مذهب الشافعية: استحباب الجهر بالبسملة

يرى المذهب الشافعي أن البسملة تُقرأ جهرا في الصلوات الجهرية، مثل صلاة الفجر، وصلاة المغرب والعشاء في الركعتين الأوليين، وذلك عند قراءة الفاتحة والسورة التي بعدها.

واستدل الشافعية بعدة أحاديث وآثار، منها ما ورد عن بعض الصحابة من أن النبي ﷺ كان يجهر بالبسملة، واعتبروا ذلك دليلا على أن البسملة من القراءة التي تُسمع في الصلاة الجهرية، كما رأوا أن الجهر بها يُظهر شعيرة افتتاح القراءة بذكر الله تعالى.

ويرى الشافعية أن البسملة آية من سورة الفاتحة، ولذلك يُستحب قراءتها قبل الفاتحة كما تُقرأ بقية آياتها، مع الجهر بها في المواضع التي يجهر فيها بالقراءة.

مذهب الحنفية: قراءة البسملة سرا

يرى المذهب الحنفي أن البسملة تُقرأ في الصلاة ولكن لا يُجهر بها، بل تقرأ سرا قبل الفاتحة في كل ركعة، ويستدل الحنفية على ذلك بما ورد من أحاديث تشير إلى أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة بالحمد والثناء، وأن الجهر بالبسملة لم يكن هو الغالب من هديه عليه الصلاة والسلام.

ويرى الحنفية أن البسملة ليست من الفاتحة عندهم، وإنما هي آية مستقلة نزلت للفصل بين السور وافتتاح القراءة، ولذلك تُقرأ في الصلاة على سبيل الذكر والاتباع، ولكن لا يرفع بها الصوت.

كما أن مذهبهم يرى أن الأصل في القراءة الجهرية أن تكون فيما ثبت عن النبي ﷺ أنه جهر به، ولذلك اختاروا الإسرار بالبسملة خروجا من الخلاف واتباعا لما يرونه أقرب إلى السنة.

مذهب المالكية: عدم الجهر بالبسملة

ذهب المالكية إلى أن البسملة لا يُجهر بها في الصلاة، بل تُترك في قراءة الفاتحة عند كثير من المالكية، خصوصا في الفرض، مع وجود تفاصيل في المذهب حول قراءتها في بعض الأحوال.

واستند المالكية إلى أن الأحاديث التي تصف صلاة النبي ﷺ لم تنقل أنه كان يجهر بالبسملة على وجه الاعتياد، وأن العمل عندهم في المدينة كان على عدم الجهر بها.

ويؤكد هذا القول أن المسألة من مسائل الاجتهاد التي وقع فيها الخلاف بين الصحابة والتابعين والعلماء، ولذلك لم يرَ المالكية أن الجهر بها من السنن الظاهرة في الصلاة.

القول بقراءة البسملة سرا عند بعض العلماء

ذهب بعض أهل العلم إلى أن البسملة تُقرأ سرا، وهو قول يجمع بين مراعاة وجودها في بداية القراءة وبين عدم الجهر بها. ويرى أصحاب هذا القول أن قراءة البسملة مشروعة، لكن لا يرفع المصلي صوته بها في الصلاة الجهرية.

ويستند هذا الاتجاه إلى أن البسملة ثابتة في المصاحف، وأنها من ذكر الله تعالى، لكن الجهر بها يحتاج إلى دليل صريح عندهم، ولم يروا أن الأدلة الواردة في ذلك تصل إلى درجة إثبات الجهر بها دائمًا.

سبب اختلاف الفقهاء في حكم الجهر بالبسملة

يرجع اختلاف العلماء في هذه المسألة إلى عدة أسباب، من أبرزها اختلاف فهم الأحاديث الواردة في صفة صلاة النبي ﷺ، واختلافهم في تحديد هل البسملة آية من الفاتحة أو آية مستقلة، وكذلك اختلافهم في درجة بعض الروايات المتعلقة بالجهر بها.

وهذا الاختلاف لا يعني تضادا في الدين، وإنما يعكس سعة الفقه الإسلامي وتنوع الاجتهادات المبنية على فهم النصوص الشرعية، وقد كان أئمة المذاهب يقدّرون بعضهم بعضا رغم اختلافهم في الفروع.

التعامل مع اختلاف المذاهب في البسملة

ينبغي للمسلم أن يدرك أن مسألة الجهر بالبسملة من مسائل الخلاف المعتبر بين أهل العلم، فلا يصح أن تكون سببا للنزاع أو التشدد بين المسلمين، فمن جهر بها اتباعا لمذهب الشافعية فقد عمل بقول معتبر، ومن أسر بها اتباعا لمذهب الحنفية أو المالكية أو غيرهم فقد عمل كذلك بقول معتبر.

والأولى أن يحرص المسلم على تعلم أحكام الصلاة، وأن يؤدي عبادته بخشوع وطمأنينة، وأن يحترم اختلاف العلماء في المسائل الاجتهادية.

وخلاصة المسألة أن الفقهاء اختلفوا في قراءة البسملة جهرا في الصلاة الجهرية، فذهب الشافعية إلى استحباب الجهر بها، بينما رأى الحنفية والمالكية عدم الجهر بها، وذهب بعض العلماء إلى قراءتها سرًّا. ويبقى هذا الخلاف من المسائل الفقهية المعروفة التي تعكس رحابة الشريعة وسعة الاجتهاد، مع اتفاق الجميع على أهمية تعظيم القرآن والمحافظة على آداب الصلاة.

روابط وكلمات مفتاحية
التالي
ذات صلة
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »
مراعاة الأولويات..
حين يُقعّد العلماء لمسألة مراعاة الأولويّات في الفقه الإسلامي، فإنّهم لا يتحدّثون عن رفاهيّة فكريّة يتأنّق...
المزيد »
العلاء الحضرمي..
العلاء بن عبد الله الحضرمي، ذلك الصحابي الجليل الذي كانت حياته سلسلة متصلة من المواقف التي تُعجز العقل...
المزيد »
معركة الديبل..
معركة الديبل من أبرز المعارك في تاريخ الفتوحات الإسلامية خلال العصر الأموي، إذ مثلت البداية الفعلية لدخول...
المزيد »
بطولة ابن الجزري أمام أسوار هرقلة..
عندما حاصر الخليفة العباسي هارون الرشيد مدينة هرقلة، إحدى أعظم مدن الروم وأكثرها مكانة لديهم، شهدت ساحات...
المزيد »
بشارات الأنبياء..
جاءت رسالة النبي محمد ﷺ خاتمة لسلسلة الرسالات السماوية، ولم تكن دعوته حدثا منفصلا عن تاريخ الوحي، بل...
المزيد »
عمر بن عبد العزيز..
بعد وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك، تولى عمر بن عبد العزيز أمر الخلافة في موقف كشف منذ اللحظات الأولى...
المزيد »
«كما تدين تُدان»..
جملة "كما تدين تُدان" من العبارات المشهورة التي تجري على ألسنة الناس، ويستعملها الكثيرون للتعبير عن أن...
المزيد »
الدعاء بين الأذان والإقامة..
الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، فهو تعبير عن الافتقار إلى الخالق، وإظهار...
المزيد »
ابتسامة النبي ﷺ..
سيرة النبي محمد ﷺ مدرسة متكاملة في الأخلاق والرحمة والتعامل الإنساني الراقي، فقد جمع الله تعالى له كمال...
المزيد »
الدعاء عند لبس الثوب
السنن النبوية الشريفة كنزا عظيمًا يهتدي به المسلم في تفاصيل حياته اليومية، صغيرها وكبيرها، فهي ليست مقتصرة...
المزيد »
الحديث الموضوع..
يُعد الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد بذل علماء الأمة جهودا...
المزيد »
سورة الأنعام..
سورة الأنعام من السور العظيمة في القرآن الكريم، وهي إحدى السور المكية التي نزلت قبل هجرة النبي ﷺ إلى...
المزيد »
أسباب النزول..
علم أسباب النزول من العلوم المهمة المرتبطة بتفسير القرآن الكريم، فهو يساعد على فهم الآيات من خلال معرفة...
المزيد »
الترقيق والتفخيم..
الترقيق في اصطلاح علماء التجويد هو النطق بالحرف نحيلاً رفيعاً لا امتلاء فيه ولا انتفاخ، كأن الصوت يمر...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك