السنة النبوية..

المأثور عن النبي قولا وفعلا وتقريرا

السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في كتاب الله تعالى، ومن خلالها تعرّف المسلمون تفاصيل العبادات، وأحكام المعاملات، وأصول الأخلاق...
السنة النبوية..

السنة النبوية..

المأثور عن النبي قولا وفعلا وتقريرا

السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في كتاب الله تعالى، ومن خلالها تعرّف المسلمون تفاصيل العبادات، وأحكام المعاملات، وأصول الأخلاق، وآداب الحياة وقد جاءت السنة لتوضح المجمل، وتخصص العام، وتقيد المطلق، وتبين كيفية تطبيق الأحكام الشرعية في واقع الحياة، ولذلك كانت ولا تزال ركيزة أساسية لفهم الإسلام فهما صحيحا.

ولم يكن اهتمام المسلمين بالسنة وليد العصور المتأخرة، بل بدأ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث حفظ الصحابة أقواله وأفعاله، ونقلوها إلى من بعدهم بكل أمانة ودقة، ثم تطور هذا الاهتمام إلى علوم مستقلة كعلم الحديث، والجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، حفاظا على السنة من التحريف أو الوضع.

تعريف السنة لغة واصطلاحا

السنة في اللغة تعني الطريقة أو السيرة، سواء كانت حسنة أم سيئة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها».

أما في الاصطلاح الشرعي، فإن السنة هي كل ما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلقية أو خُلقية، مما يصلح أن يكون دليلا شرعيا أو بيانا لأحكام الدين.

ويختلف تعريف السنة باختلاف العلوم الإسلامية؛ فعند المحدثين تشمل جميع ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وصفات وسيرته قبل البعثة وبعدها، أما عند الأصوليين فهي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير يصلح للاستدلال به في الأحكام الشرعية، وعند الفقهاء قد يُطلق لفظ السنة على ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، باعتباره أحد الأحكام التكليفية، وهو استعمال خاص يختلف عن معناها العام في علوم الحديث والأصول.

أقسام السنة النبوية

تنقسم السنة النبوية إلى عدة أقسام رئيسة، لكل منها دوره في بيان الأحكام الشرعية.

السنة القولية، وهي كل ما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث تتضمن الأحكام أو التوجيهات أو المواعظ، مثل قوله: «إنما الأعمال بالنيات».

السنة الفعلية، وهي ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من أفعاله، ككيفية أدائه للصلاة، وأعماله في الحج، وصيامه، وتعاملاته المختلفة، وقد أمر المسلمين بالاقتداء به فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

السنة التقريرية، وهي ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم من أفعال أو أقوال صدرت عن الصحابة، فسكت عنها أو أظهر رضاه بها، فكان ذلك دليلًا على جوازها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر باطلًا.

ويضيف علماء الحديث الصفات الخَلقية والخُلقية للنبي صلى الله عليه وسلم ضمن السنة، لأنها تمثل جانبا من شخصيته الكاملة التي ينبغي للمسلمين الاقتداء بها.

حجية السنة في التشريع الإسلامي

اتفق علماء الأمة على أن السنة النبوية حجة شرعية يجب العمل بها، وقد دل على ذلك القرآن الكريم في مواضع كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقوله سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].

كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المكانة بقوله: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، في إشارة إلى أن السنة وحي من الله تعالى في معناها، وإن كان لفظها من النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4].

ولذلك فإن إنكار السنة أو التقليل من شأنها يؤدي إلى تعطيل جانب كبير من أحكام الإسلام، إذ إن كثيرا من تفاصيل العبادات والمعاملات لم ترد في القرآن إلا بصورة مجملة، وجاءت السنة لتبينها وتوضحها.

علاقة السنة بالقرآن الكريم

ترتبط السنة بالقرآن الكريم ارتباطا وثيقا، فهي لا تنفصل عنه، بل تعمل على خدمته وبيانه، فقد تأتي السنة مؤكدة لما ورد في القرآن، كما في الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقد تأتي مبينة لكيفية تنفيذ الأحكام، مثل بيان عدد ركعات الصلوات، وأنصبة الزكاة، ومناسك الحج.

وقد تخصص السنة بعض العمومات الواردة في القرآن، أو تقيد بعض المطلقات، أو تستقل بأحكام لم يرد نصها في القرآن، لكنها لا تخرج عن مقاصده العامة وأصوله، لأنها وحي من الله تعالى.

عناية الأمة بحفظ السنة

من أعظم مظاهر حفظ الله تعالى لدينه أن هيأ للسنة رجالا أفذاذا بذلوا جهودا عظيمة في جمعها وتمحيصها، فوضعوا قواعد دقيقة لمعرفة الصحيح من الضعيف، واعتنوا بدراسة أحوال الرواة، وسلامة الأسانيد، ومقارنة الروايات، حتى أصبح علم الحديث من أدق العلوم في منهجية التوثيق التاريخي.

وقد أثمرت هذه الجهود ظهور دواوين السنة المشهورة، وانتشار المدارس العلمية التي تولت شرح الأحاديث واستنباط الأحكام منها، مما أسهم في حفظ السنة ونقلها إلى الأجيال المتعاقبة بأعلى درجات الدقة والأمانة.

تمثل السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهي التطبيق العملي للقرآن الكريم، والمفتاح لفهم كثير من أحكامه ومقاصده، ومن خلال أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، يتعرف المسلم على المنهج الصحيح في العبادة، والمعاملة، والأخلاق، والسلوك، ولهذا فإن دراسة السنة، وفهمها وفق منهج أهل العلم، والعمل بما صح منها، من أعظم الوسائل التي تحفظ للمسلم دينه، وتعينه على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحقيق الامتثال لأوامر الله تعالى، بما يقود إلى صلاح الفرد والمجتمع في الدنيا، والفوز برضا الله في الآخرة.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك