الانقياد..

أن تكون القيادة لله والسيادة لأمره وحده

كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد الذي يعني استسلام الإرادة كلها لله، وتسليم الوجه بكليته لمن خلق الوجوه وصوَّرها....
الانقياد..

الانقياد..

أن تكون القيادة لله والسيادة لأمره وحده

كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد الذي يعني استسلام الإرادة كلها لله، وتسليم الوجه بكليته لمن خلق الوجوه وصوَّرها.
ولم يجعل علماء العقيدة الانقياد شرطاً من شروط لا إله إلا الله اعتباطاً، ولا تعسفاً في الاستنباط، بل جاؤوا به من صميم النص القرآني ومن دلالة الكلمة ذاتها. فالإله في لغة العرب لا يقتصر على كونه الموجود القوي أو المعبود بالجبر والقهر، بل هو الذي تتعلق به القلوب حباً وخوفاً ورجاءً وطاعةً وانقياداً، فحين تنفي لا إله وجود كل معبود سواه، وتُثبت إلا الله، فأنت في الحقيقة تُعلن إلغاء كل ولاء لغير الله، وكل انقياد لسوى أمره، وكل استسلام لغير شرعه.
وقد فرَّق العلماء بين الإسلام بالمعنى الخاص وهو الدين، والإسلام بالمعنى العام وهو الانقياد، وكلا المعنيين يلتقيان في جوهر واحد: أن تكون القيادة لله وحده، والسيادة لأمره وحده، وأن لا يبقى في القلب حاكم ينازع الله حكمه. وهذا ما أشار إليه ابن القيم حين قال إن الإسلام في أصله الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، فمن خلا من واحدة منها لم يكن مسلماً.
والانقياد إذن ليس زينة تُضاف إلى الإيمان، ولا مرتبة رفيعة يبلغها الأولياء دون سواهم، بل هو الحد الأدنى الذي لا يصح إيمان بدونه، وهو الفارق الجوهري بين من قال لا إله إلا الله وانقاد لها، ومن قالها ثم ردَّها بسلوكه وتولَّى عنها.
قيد الإحسان في العبادة والعمل والتعامل مع الناس
جاء قول الله تعالى “ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور” حاملا صورة بلاغية بالغة الكثافة والعمق، وفي قول الله تعالى أيضا: “بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” فاختيار لفظة الوجه هنا ليس عابراً ولا مجازياً بالمعنى الاعتيادي، بل هو اختيار دقيق يحمل دلالات متعددة تتكامل لترسم صورة الانقياد الحقيقي.
فالوجه هو أشرف ما في الإنسان وأظهره، وهو الذي يُعبِّر عن هويته ويُمثِّل شخصيته، وبه يُعرف بين الناس ويتميز، فحين يُسلم المرء وجهه لله، فإنه يُسلم أشرف ما يملك، ويجعل هويته الأولى والأخيرة هي العبودية لله، وقال بعض المفسرين إن الوجه هنا يُعبِّر عن الذات كلها، لأن العرب كانت تُعبِّر بالوجه عن كامل الشخص، فيكون المعنى: من أسلم ذاته كلها لله لا يُبقي منها شيئاً لهوى أو نفس أو شيطان.
وقد ربط الله هذا الإسلام في الآية بقيد محوري لا يجوز إغفاله: وهو محسن، وهو قيد يكشف أن الانقياد الصحيح لا يكون انهزاماً أو استسلاماً سلبياً ينتهي عند حدود الكف والترك، بل هو انقياد فاعل يتجلى في الإحسان في العبادة والعمل والتعامل مع الناس، فالمنقاد لله حقاً هو الذي يُحسن لأن الله أمر بالإحسان، ويجتهد لأن الله أحب المجتهدين، ويُعطي لأن الله يحب المعطين.

معركة الهوى وشروط الانقياد

إن أعسر ما في الانقياد أنه لا يقع في الفراغ ولا في ميدان خالٍ من المنافسين، بل يقع في قلب تتنازعه إرادات متعددة ويتجاذبه أهواء متباينة. فالنفس الأمَّارة تنازع، والشيطان يُوسوس ويُزيِّن، والمجتمع يضغط ويُغري، والمصلحة الدنيوية تُحاجج وتُقنع. وفي هذه المعركة المتواصلة يتبيَّن من أسلم وجهه لله حقاً ممن نطق بالكلمة دون أن تتغلغل في أعماقه.
وقد ضرب العلماء لهذا الانقياد شروطاً ثلاثة متكاملة: أولها أن يكون الانقياد كاملاً لا انتقائياً، فلا يقبل العبد من شرع الله ما يوافق هواه ويرفض ما يُعاكسه، لأن ذلك في حقيقته هو اتخاذ الهوى إلهاً كما قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه. وثانيها أن يكون الانقياد مقروناً بالرضا لا بالكره المكتوم، فثمة فرق جوهري بين من ينقاد مُكرَهاً يُبطن النفور ويُظهر الامتثال، وبين من ينقاد راضياً يرى في أمر الله الحكمة والرحمة حتى حين تخفى عليه تفاصيلها. وثالثها أن يكون الانقياد فورياً لا مُماطلاً، فالمسوِّف الذي يقول سأنقاد حين تتهيأ الظروف يُشبه من يقول سأُسلم غداً وهو يرى الموت يقترب.
والأخطر في هذا الباب ما يُسميه العلماء الانقياد الجزئي، وهو أشد خداعاً من الرفض الصريح، حين ينقاد الإنسان في العبادات الظاهرة من صلاة وصيام وحج، ثم يتمرد على شرع الله في المعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد، ظاناً أن الإسلام قابل للتجزئة وأن لا إله إلا الله يمكن أن تعيش في القلب نصفها فحسب.

الانقياد مسيرة لا لحظة

إن الانقياد ليس حدثاً يقع مرة واحدة ثم ينتهي أثره، كما أن النطق بالشهادة ليس حدثاً يكفي وقوعه في لحظة الإسلام ثم يستريح صاحبه. بل الانقياد مسيرة متجددة تمتد مع عمر الإنسان كله، تتجدد في كل قرار يواجهه وكل اختيار يُحاصره وكل إغراء يُغويه. وفي كل لحظة من هذه اللحظات يقف المسلم أمام سؤال واحد: هل يُسلم وجهه لله أم لغيره؟
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة المتجددة للانقياد في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، والسلم هنا بمعنى الإسلام والاستسلام، والكافة بمعنى الشمول والتمام، فالأمر بالدخول في السلم كافة دليل على أن كثيراً من المؤمنين يكونون في بعض جوانب حياتهم خارج هذا السلم، في هذا الجانب أو ذاك، فجاء الأمر بالدخول الشامل الكامل.
ومن أعمق ما يُعين على الانقياد أن يفهم المسلم أن الله حين يأمر فإنما يأمر بما فيه صلاح عبده قبل أن يكون فيه عبودية له، وأن الانقياد لله ليس نزولاً عن الكرامة الإنسانية بل هو ارتقاء بها إلى أسمى درجاتها، لأن الكرامة الحقيقية في التحرر من عبودية كل شيء سوى الله، والانعتاق من أسر الهوى والنفس والطغيان والمال والجاه. فمن أسلم وجهه لله وجد نفسه في الحقيقة قد أعتق وجهه من عبودية كل ما سواه، وهذا هو جوهر لا إله إلا الله الذي يُغيِّر الإنسان من الداخل قبل أن يُغيِّر سلوكه من الخارج.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك