الحديث المنكر..

الرواية بين موازين النقد وأحكام العلماء

ظل علماء الحديث على مر العصور حُرَّاساً أشداء على بوابة السنة النبوية، لا تمر عندهم رواية حتى تُوزن بميزان دقيق، وتُعرض على معايير صارمة تكشف معادنها وتُبيّن درجاتها. ومن أدق ما خلص إليه هذا الجهد...
الحديث المنكر..

الحديث المنكر..

الرواية بين موازين النقد وأحكام العلماء

ظل علماء الحديث على مر العصور حُرَّاساً أشداء على بوابة السنة النبوية، لا تمر عندهم رواية حتى تُوزن بميزان دقيق، وتُعرض على معايير صارمة تكشف معادنها وتُبيّن درجاتها. ومن أدق ما خلص إليه هذا الجهد المنهجي العظيم مصطلح الحديث المنكر، الذي يمثل في الموروث الحديثي إحدى أبرز صور الرواية المطعون فيها، وأدقها تحريرا وأكثرها اتصالاً بمسألة عدالة الراوي وضبطه.

الحديث المنكر: المفهوم وتشعّب التعريفات

المنكر في اللغة اسم مفعول من الإنكار، وهو ضد الإقرار، وما لا تقبله النفس السليمة ولا يطمئن إليه العقل الراجح. أما في الاصطلاح الحديثي فقد تشعّبت التعريفات وتعددت على نحو يعكس عمق الخلاف المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين من أهل هذا الشأن.
فعند المتقدمين من علماء الحديث، يُطلق المنكر على الحديث الذي يتفرد به الراوي الذي لا يؤهله حفظه لأن يتفرد بمثل هذه الرواية، سواء أكان ضعيفاً أم صدوقاً لا يبلغ درجة التحمّل المستقل؛ وهو ما ذهب إليه الإمام أبو بكر البرديجي والناظم في البيقونية حين قال: “والمنكر الفرد به راوٍ غدا تعديله لا يحمل التفردا”.
أما عند المتأخرين فقد استقر الأمر على ما اختاره الحافظ ابن حجر العسقلاني في نخبة الفكر ومن تابعه كالسيوطي، إذ يرى هؤلاء أن المنكر هو الحديث الذي يخالف فيه الضعيف ما رواه الثقات، فيشترط لوصف الحديث بالنكارة توافر شرطين معاً: أن يكون راويه ضعيفاً، وأن يعارض روايته ما ثبت عن الثقات. وقد أفضى هذا التعدد في التعريف إلى تمييز دقيق تجلّى في مصطلحي المعروف والمنكر، اللذين يقوم أحدهما في مقابل الآخر، فالرواية الصحيحة التي يقابلها المنكر تُسمى المعروفة، وبينهما تنشأ علاقة تضاد منهجي تجعل الحكم على كل منهما متوقفاً على إدراك الآخر.
وبعض العلماء توسطوا في المسألة فجعلوا التعريفين قسمين لا تعريفاً واحداً، أي أن المنكر قد يكون تفرداً من راوٍ لا يُحتمل تفرده، وقد يكون مخالفةً لراوٍ ضعيف مع وجود الثقات على خلافه، ومآل الحكم عليه يتفاوت بتفاوت الحالتين.

موقع المنكر في سلّم الأحاديث ودرجته بين أقسامها

يقع الحديث المنكر في المرتبة الدنيا من مراتب الضعيف، بل هو في أغلب التقسيمات أشد ضعفاً من الحديث الضعيف المجرد، لأن الضعف فيه لا يقتصر على الانفراد أو قصور الضبط، بل يُضاف إليه في الحالة الأشد مخالفة الثقات وهو عيب مضاعف يُسقط الرواية ويُفقدها قيمتها الحجيجية.
ويقع المنكر في التصنيف الأعم للأحاديث من جهة القبول والرد في خانة المردود، وهو في هذه الخانة دون الموضوع المصنوع الذي يفترق عنه بأن المنكر قد يكون خطأً لا كذباً، غير أنه فوق الضعيف البسيط الذي لم يُخالف فيه راويه أحداً. وتبرز هنا فروق جوهرية بين المنكر والشاذ الذي ينفرد فيه ثقة مخالفاً من هو أوثق منه؛ فإن الشاذ مخالفة أرقى سنداً، أما المنكر فمخالفته من الضعيف الذي لا يقف للثقة ندّاً.
غير أن الحكم ليس مطلقاً بالرد في كل صوره؛ فالعلماء يُفرّقون بين منكر مردود ومنكر مقبول أو محتمل. فإن كان المنكر بمعنى انفراد الثقة الضابط المتقن بالحديث، فإن هذا الانفراد لا يُوجب رده، بل قد يُقبل ويكون من قبيل الزيادة المرغوبة. وإن كان بمعنى المخالفة من الضعيف فهو المردود بالاتفاق. وهذا التفريق يكشف عن عمق النظر الحديثي الذي لا يتعامل مع المصطلحات بوصفها قوالب جامدة بل ينزلها منازلها بحسب السياق والقرائن.

أقوال الأئمة في الحديث المنكر ونماذج تطبيقية

شغل الحديث المنكر بال الأئمة الكبار وأولوه عناية فائقة في كتبهم وأحكامهم. فالإمام يحيى بن معين كان يستعمل مصطلح المنكر في حق الحديث المتفرد به الضعيف استعمالاً واسعاً، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل والإمام أبو داود الذي قال عن جملة من الأحاديث إنها مناكير، يعني بذلك ما انفرد به من لا يُحتمل تفرده.
وكان الإمام البخاري يطلق وصف المنكر في أحكامه على الرواة، فمن أُطلق عليه أنه يروي المناكير كان ذلك جرحاً شديداً في حقه يكفي للطعن في مروياته. وقد ذهب ابن الصلاح في مقدمته إلى أن الرجل إذا روى حديثاً منكراً لم يُحتج به ولو في غير ما روى فيه ذلك الحديث المنكر، مما يعني أن النكارة تنعكس على صاحبها وتُلقي بظلالها على سائر مروياته.
وضرب الحافظ ابن حجر في نزهة النظر والنكت على ابن الصلاح أمثلة تطبيقية كثيرة، منها قول الإمام مسلم في أحد الرواة: “وهذا حديث منكر، تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح أخرج له مسلم في المتابعات، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده”. وهذا النص ذو دلالة بالغة لأنه يُظهر أن النكارة قد تُوصف بها رواية من لا يُتهم بالكذب ولا يُقطع بضعفه، وإنما لم يرتق إلى الدرجة التي تجعل انفراده حجة.
وخلاصة أقوال العلماء أن الحديث المنكر حين يخالف فيه الضعيف الثقات يُعدّ حكمه الرد المطلق، أما حين يُطلق لمجرد انفراد من لا يُحتمل تفرده فأمره أخف وإن كان لا يُعتمد في إثبات الأحكام.

الحديث المنكر في أمهات كتب المصطلح

تناولت كتب علوم الحديث مسألة المنكر بحسب تخصص كل كتاب وطبيعته المنهجية. ففي طليعة هذه الكتب تأتي مقدمة ابن الصلاح المعروفة بكتاب “معرفة أنواع علوم الحديث” للحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المتوفى سنة 643 هجرية، الذي قال عنه ابن حجر إنه اجتمع فيه ما تفرق في غيره وضم ما بثّه الخطيب البغدادي وغيره في مصنفاتهم المتناثرة. وقد أفرد ابن الصلاح في هذا السفر العلمي الجامع حديثه عن المنكر ووضعه في سياق أنواع الحديث الضعيف، مُشيراً إلى أنه ينقسم قسمين، وهو أول من أفرده قسماً مستقلاً من أقسام علوم الحديث في الكتب التي وصلت إلينا.
وتلا مقدمة ابن الصلاح “التقريب والتيسير” للإمام النووي المتوفى سنة 676 هجرية، الذي اختصر المقدمة وهذّبها واستل زبدتها، مُعيداً ترتيبها بصورة أيسر تناولاً وأسهل حفظاً، مما جعله مصدراً مدرسياً بامتياز. وقد جاء بعده الحافظ السيوطي المتوفى سنة 911 هجرية بكتابه الضخم “تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي”، الذي فصّل الأحكام وأوسع في النقولات والشواهد، وأضاف على ما في الأصلين إضافات جوهرية من طريق الاستدراك والمناقشة.
أما أنفع ما أُلّف في هذا الباب من حيث الدقة والابتكار المنهجي، فكتاب الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هجرية: “نخبة الفكر” المختصر الصغير الذي حوى في قليل لفظه جزيل علمه، وشرحه “نزهة النظر” الذي تناول فيه المنكر تناولاً تحليلياً ربط فيه بين التعريف والحكم والتطبيق ربطاً متماسكاً. ومن أوسع ما أُلّف تحليلاً للمنكر دراسة أكاديمية متخصصة بعنوان “الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين” التي أجرت مقارنة معمّقة بين منهجي المتقدمين والمتأخرين في تعريف هذه المصطلحات وضوابطها، مما أضاء جوانب كانت شبه غائبة عن كثير من الدارسين. وتأتي “البيقونية” بأبياتها الأربعة والثلاثين للناظم عمر البيقوني المتوفى سنة 1080 هجرية مرجعاً منظوماً لا غنى عنه لطالب حفظ هذه الأنواع واستيعابها.

وقد شهدت الدراسات الحديثة المعاصرة اهتماماً متجدداً بهذا المصطلح، لا سيما في أطاريح الدكتوراه والماجستير في دور علوم الحديث بالجامعات الإسلامية، التي سعت إلى تحرير الإشكاليات المنهجية المتعلقة به وتأصيلها في ضوء نظريات علم الرواية المعاصر، مؤكدةً أن هذا الموروث النقدي البالغ الدقة يظل شاهداً حياً على رسوخ المنهج العلمي في حضارة إسلامية آمنت بأن الحجة لا تقوم إلا بالصحة والإسناد.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »
مواضع العفو عن النجاسة المغلظة..
الطهارة من أهم أبواب الفقه الإسلامي، إذ ترتبط بصحة العبادات، ولا سيما الصلاة التي لا تصح مع وجود النجاسة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك