![]()
دعوة زوج صالح كشفت محاولة إفساد زوجته
في تلك الأزمنة الغابرة التي كانت فيها الكلمة أمانةً والدعاء سلاحاً، وكان الصالحون يُدركون أن لله جنوداً من الدعوات تُصيب حيث لا تُصيب السيوف، عاش رجلٌ من أهل الخير عُرف بـ”أبي مسلم”، يسكن بيتاً يجمعه بزوجته على مودّةٍ راسخة وحياةٍ قائمة على الستر والطمأنينة. لم يكن هذا البيت قصراً يتباهى به، بل كان وطناً تسكنه الثقة ويظلّله الوفاء. غير أن لكل وطنٍ عدوّاً، وكثيراً ما يأتي العدو في زيّ الجار والمعرفة، ومن حيث لا يُحتسب.
دخلت على حياتهما تلك المرأة التي لم يزيّن التاريخُ اسمها بشيء سوى ما اقترفته يداها؛ امرأةٌ أجادت فنّ التلاعب بالمشاعر وتشويه الحقائق، ففتحت باب الفتنة على مصراعيه بين الزوجين. لم تكن فتنتها من نوع الصخب الذي يُرى ويُسمع، بل كانت همساً في الأُذُنين، وكلاماً منقوصاً هنا، وإيحاءً مسموماً هناك، حتى تزعزعت تلك الأركان الراسخة، وتحوّل البيت الهادئ إلى ساحةٍ يسكنها الشكّ ويحكمها التوجّس.
الإفساد.. فنٌّ قديم تمارسه النفوس المريضة
ما وصفته كتب التاريخ والتراث عن هذه الحادثة ليس بالغريب على من عرف طبائع النفوس؛ فالإفساد بين الزوجين ضربٌ من ضروب العداوة الخفيّة التي لا تستلزم حراباً ولا تحتاج إلى ميدان. يكفي أن تغرس كلمةً في قلب امرأةٍ عن زوجها، أو تنقل حديثاً مقطوع السياق إلى رجلٍ عن زوجته، ثم تتراجع خطواتٍ للوراء، وتنتظر الفتنة تبلغ مداها. هذا بالضبط ما صنعته تلك المرأة؛ أوقدت النار وأمسكت نفسها بعيدةً عن ألسنتها.
والإفساد بين المتحابّين جريمةٌ أشدّ وطأةً مما تبدو في ظاهرها، لأنها تنخر في نسيج الثقة الذي لا يُعاد نسجه بسهولة. وقد أشار علماء الإسلام إلى أن النميمة وتفريق ذات البين من الكبائر التي تُفسد المجتمعات قبل أن تُفسد البيوت، لأن البيت حين يختلّ يختلّ من حوله كثير. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يُرسّخ هذا المعنى، إذ كان من أشدّ ما يُعاقَب عليه الميتُ في قبره من يسعى بالنميمة بين الناس. فكيف إذا كان الإفساد بين زوجين؟ ذلك ما جعل ما أقدمت عليه تلك المرأة يستوجب جزاءً من جنسه.
دعاء الرجل الصالح.. حين تُرفع الأكفّ لا السيوف
لمّا بلغ أبا مسلم ما أقدمت عليه تلك المرأة من إفسادٍ وتدخّل في حياته وحياة زوجه، لم يلجأ إلى الثأر الدنيوي ولم يتسلّح بالانتقام البشري. كان رجلاً يعرف مفاتيح السماء جيداً، ويُدرك أن الظالم لا يفرّ من عدالةٍ إن كان الله هو القاضي. فرفع يديه إلى الله داعياً أن يأخذ له حقّه من تلك المرأة التي أفسدت ما بينه وبين زوجته، وأن يُذهب الله بصرها جزاءً وفاقاً على ما صنعت.
وفي هذا المشهد تكثيفٌ بالغ لمعنى التوكّل وثقة العبد بربّه؛ فالرجل لم يكن ضعيفاً حين لجأ إلى الدعاء، بل كان في أعلى درجات القوة، لأن من يلجأ إلى الله حاملاً مظلمته يلجأ إلى القادر على كل شيء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “اتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”، وتلك الكلمات النبوية لم تكن وعداً نظرياً بل كانت سنّةً إلهية تجري في الكون كما تجري سنّة الليل والنهار.
الاستجابة الإلهية.. حين يصبح البصر بصيرةً مفقودة
ما إن ارتفع الدعاء في الأجواء حتى جاءت الاستجابة بما يفوق كل توقّع؛ ذهب الله ببصر تلك المرأة، فأصبحت عمياء بعد أن كانت مبصرة. وفي هذا العقاب بالذات دلالةٌ عميقة لمن تأمّل؛ إذ إن العين هي الأداة التي طالما رعت من خلالها ما يجري في حياة الآخرين من أجل تقليب الأمور وتشويه المشاهد. فكان أن أُغلق ذلك الباب عليها من حيث أساءت استخدامه. والمتأمّل في أحكام القدر يجد هذا النمط متكرّراً في سِيَر الصالحين وفي قصص القرآن الكريم؛ أن الجزاء من جنس العمل، وأن الله لا يُعجّل لعبده المظلوم الصالح نصرتَه بل يُحكمها.
وهذه الحادثة لا تقف عند حدود القصة المرويّة، بل تنبثق منها دروسٌ تخترق الأزمنة وتصلح لكل عصر؛ أن حياة الزوجين حرمٌ مقدّس لا يحقّ لأحدٍ أن ينفذ إليه بالأذى والتلاعب، وأن المظلوم لا يحتاج إلى جيشٍ ما دام يملك وضوءاً وخشوعاً وثقةً بأن الله سميعٌ لدعاء عبده المكروب.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإفساد بين الزوجين, التلاعب بالمشاعر, زوج صالح



