![]()
أخطاء التلاوة الشائعة
تحول دون تحقق قراءة القرآن على الوجه الذي يليق بجلاله
أخطاء التلاوة الشائعة
تحول دون تحقق قراءة القرآن على الوجه الذي يليق بجلاله
ليس مبالغةً القول إن كثيراً ممن يتلون القرآن الكريم اليوم يقعون في أخطاء صوتية متكررة لا يدركونها، لا لقصور في النية ولا لإهمال في الهمة، بل لأن الأذن تألف ما اعتادت عليه منذ الصغر، واللسان يجري على ما تشرّبه من البيئة المحيطة والنطق العامي الدارج. وقد نبّه علماء القراءات قديماً وحديثاً إلى أن الخطأ في إخراج حروف القرآن ليس هيّناً، إذ قد يُحيل المعنى ويُغير المراد، بل قد يبلغ حد اللحن الجلي الذي نصّ الفقهاء على حرمته حين يغيّر المعنى في الصلاة. ومن هنا كان رصد هذه الأخطاء وبيان علاجها واجب كفاية على أهل هذا الشأن، وضرورة عملية لكل قارئ يريد أن يُؤدي كلام الله على الوجه الذي يليق بجلاله.
القلقلة.. بين الإفراط والتفريط
القلقلة من أكثر الأحكام التي يقع فيها الخلل تعريفها العلماء بأنها اضطراب الصوت عند النطق بالحرف الساكن حتى يُسمع له نبرة قوية، وحروفها خمسة تجمعها كلمة قطب جد، وهي القاف والطاء والباء والجيم والدال. وعلى بساطة هذا التعريف الظاهرة فإن أخطاء القراء فيه تتشعب وتتنوع.
أول هذه الأخطاء وأشيعها الإفراط في القلقلة وتضخيمها حتى تتحول إلى صوت مستقل يشبه حركة كاملة تُلحَق بالحرف. فتجد من يقرأ قل فتخرج منه كأنها قُلُ، أو يقرأ يبصطون فتخرج الطاء مثقلة بصوت يشبه الضمة أو الفتحة. وهذا خطأ مؤثر لأنه يُضيف إلى الكلمة ما ليس منها ويُغير إيقاعها الصوتي.
والخطأ المقابل له هو تخفيف القلقلة إلى حد إماتتها، فيقرأ القارئ حرف القلقلة ساكناً ميتاً كأنه حرف هامس لا حياة فيه ولا اضطراب. وكثيراً ما يقع هذا في الوقف على الباء والدال والجيم والقاف والطاء في نهاية الآيات، حيث يُميت القارئ الحرف تماماً ويقطع الصوت دون أن يُعطيه نبرته الواجبة.
وثمة خطأ ثالث أدق وهو اتجاه القلقلة نحو صوت بعينه لا يليق بمقام الحرف، كأن تميل قلقلة القاف نحو صوت الكاف فتفقد تفخيمها اللازم، أو تميل قلقلة الجيم نحو صوت الشين فيتلاشى جهرها. وعلاج هذه الأخطاء جميعاً لا يكون بقراءة وصفها في الكتب بل بمجالسة شيخ متقن يُسمع الأذن الحجم الصحيح لهذا الاضطراب الصوتي الذي ينبغي أن يكون متوسطاً لا مُفرطاً ولا مُفرِّطاً، وبكثرة التدريب على حروف القلقلة في أوضاع السكون الوقفي والوسطي حتى تستقيم الأذن وتصحح اللسان.
التفخيم والترقيق.. الميزان الصوتي الدقيق
لا يوجد في التجويد باب أكثر تشعباً ولا أدق حساسية من باب التفخيم والترقيق، ولا باب يقع فيه المتعلمون في أخطاء أكثر تنوعاً وأعمق أثراً. والتفخيم هو تسمين الحرف وإعطاؤه امتلاءً في الفم كأن الفم يمتلئ بصدى الحرف الصاعد نحو الحنك الأعلى، أما الترقيق فضده وهو رقة الحرف واستوي خروجه دون امتلاء.
أما أخطر الأخطاء في هذا الباب وأشدها انتشاراً فهو تفخيم اللام في غير لفظ الجلالة. فاللام حرف مرقق في كل أحوالها إلا في لفظ الجلالة حين يسبقه ضم أو فتح، ومع ذلك تجد كثيراً من القراء يُفخمون اللام في كلمات مثل يعلمون والظالمين وألم والليل حملاً منهم لها على التفخيم العام أو تأثراً بالنطق العامي في بعض البيئات. وعلاج هذا الخطأ يبدأ من التمييز الذهني الواضح بين اللام في لفظ الجلالة وسائر اللامات، ثم يُثبّت بالتدريب المتكرر أمام الشيخ.
ومثل ذلك الخطأ في الراء التي هي أكثر حروف العربية تنوعاً في أحكام التفخيم والترقيق، إذ لها حالات واجبة التفخيم وحالات واجبة الترقيق وحالات جائزة فيها الوجهان. والخطأ الشائع هنا طرفان: إما تفخيم الراء في كل أحوالها اتباعاً لأصل قوة الحرف، وإما ترقيقها في كل أحوالها هرباً من الثقل أو تأثراً بلهجات بعينها. فمن القراء من يُفخم الراء في كلمة فرعون وهو صحيح، ثم يُفخمها في كلمة كرام الكاتبين مع أنها مكسورة وحكمها الترقيق. ومنهم من يُرقق الراء في نعمة ربك مع أنها مفتوحة وحكمها التفخيم. والإحاطة بأحكام الراء تفصيلاً تحتاج وقفة مستقلة، لكن المبدأ الجامع هو أن القاعدة الكلية في الراء مرتبطة بحركتها وما يسبقها وما يلحقها من حروف، ولا مناص من الرجوع إلى الشيخ لضبط كل حالة على حدة.
وفي باب حروف الاستعلاء السبع وهي الخاء والغين والقاف والضاد والصاد والطاء والظاء، يقع الخطأ في الجهة الأخرى إذ يُرقق بعض القراء هذه الحروف تأثراً بالسياق أو بضعف الأداء، فتخرج القاف خفيفة شبيهة بالكاف والصاد مشابهة للسين والطاء مُرقَّقة كالتاء. وهذا من أشد الأخطاء تأثيراً في جمال التلاوة وصحتها لأن التفخيم صفة ذاتية لهذه الحروف لا تنفك عنها في غالب أحوالها.
الإدغام والإخفاء.. حيث يختلط الصواب بالوهم
بعد القلقلة والتفخيم والترقيق يأتي باب النون الساكنة والتنوين وما يعتريهما من أحكام الإظهار والإدغام والإقلاب والإخفاء ليكشف عن طبقة جديدة من الأخطاء الشائعة التي يظن كثير من القراء أنهم نجوا منها بعد أن حفظوا الأحكام نظرياً فإذا هم واقعون فيها عملياً.
أبرز هذه الأخطاء وأكثرها خفاءً الإفراط في الغنة عند الإخفاء أو التقصير فيها. فالغنة المصاحبة للإخفاء ينبغي أن تكون كاملة مقدارها حركتان لا تزيد ولا تنقص، ومع ذلك تجد من يُطيل الغنة حتى تتحول إلى مد مستقل ومن يختصرها حتى تكاد تختفي مُحوِّلاً الإخفاء إلى إظهار. وكلا الطرفين خطأ، إلا أن الأذن العامية لا تكاد تفرق بين الحالتين وإنما يُدركها الشيخ المتمرس الذي عاش مع هذه الدقائق سنين.
ومن الأخطاء المنتشرة كذلك عدم التمييز بين إدغام بغنة وإدغام بغير غنة، إذ يُدغم بعض القراء الحرفين معاً دون غنة في حالات الياء والواو اللتين يجب أن يُدغما بغنة واضحة. والعكس أيضاً وارد حين يُخرج القارئ غنة ظاهرة في إدغام اللام والراء وهما حرفا الإدغام بلا غنة.
وفيما يخص الإقلاب الذي يقع على النون الساكنة والتنوين عند حرف الباء وتُقلب فيه النون ميماً مخفاة، فإن الخطأ الشائع هو إظهار نون صريحة قبل الباء، ويكثر هذا الخطأ في كلمات مثل من بعد وأنبئهم حيث ينطق كثيرون النون ظاهرة جلية كأن الإقلاب لم يكن.
مخارج الحروف.. الجذر الخفي لكثير من الأخطاء
إذا أردت أن تعود بكثير من الأخطاء المذكورة إلى مصدرها الحقيقي فستجدها تنبت من تربة واحدة وهي الخلل في مخارج الحروف. فالقارئ الذي لا يُخرج الحرف من مخرجه الصحيح لن تصح له صفاته مهما اجتهد، لأن الصفة بناء على المخرج لا يستقيم البناء حين تعوج الأساس.
ومن أبرز أخطاء المخارج الشائعة في عصرنا الخلط بين الذال والزاي أو الدال، فكثير من الناطقين بلهجات عربية تفتقر إلى حرف الذال يُبدّلونه بالزاي أو بالدال فيقرؤون الذين بدالٍ لا بذالٍ أو يقرؤون عذاب بزاي. ومثله الخلط بين الثاء والسين أو الفاء، وهو خطأ يقع فيه كثير من أهل مصر والمغرب وغيرهم ممن لا تعرف لهجاتهم حرف الثاء فتجري ألسنتهم عفواً على السين أو الفاء بديلاً عنه.
وأشد هذه الأخطاء في باب المخارج خطورة هو اختلاط الضاد بالظاء عند كثير من المتعلمين، إذ رأى بعض القراء المتأخرين أن الضاد والظاء في القراءة الحديثة الشائعة قد تقاربتا حتى كادتا تتحدا، في حين يرى المحققون من أهل الأداء أن لكل حرف خصوصيته الصوتية التي لا ينبغي إضاعتها. وحسم هذه المسألة لا يكون بالقراءة النظرية بل بلزوم الشيوخ المتقنين الذين ورثوا الأداء الصحيح خلفاً عن سلف.
والعلاج الجامع لكل هذه الأخطاء يعود في نهاية المطاف إلى تلك الحقيقة التي لا تتغير مهما تطورت وسائل التعلم وتنوعت: أن يجلس القارئ بين يدي شيخ يسمع منه، ويُسمعه، ويُصحح له، ويصبر عليه، في ذلك الفضاء الإنساني الذي لا تُعوضه تقنية ولا تُغني عنه أداة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أحكام التجويد, أخطاء التلاوة, الإخفاء, الإدغام, التفخيم والترقيق, القلقلة, مخارج الحروف



