﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾..

محاربة التعصب والكبر وإرساء مبدأ المساواة بين البشر

كان العرب قبل الإسلام يؤدون مناسك الحج بطرق مختلفة، وقد دخلت بعض العادات الجاهلية إلى هذه الشعيرة المباركة. ومن أشهر القبائل التي كانت تتعامل بطريقة مميزة في الحج قبيلة قريش ومن كان يتحالف معها...
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾..

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾..

محاربة التعصب والكبر وإرساء مبدأ المساواة بين البشر

ورد قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في سورة البقرة، وهي من الآيات المتعلقة بأحكام الحج وشعائره العظيمة، وقد جاءت هذه الآية لتصحح عادة كانت موجودة عند بعض قبائل العرب قبل الإسلام، ولتؤكد مبدأ المساواة بين الناس في العبادة والطاعة.

وتحمل الآية معاني عظيمة تتعلق بالتواضع ووحدة المسلمين وإزالة الفوارق الطبقية والعصبية التي كانت منتشرة في الجاهلية، لذلك اعتبرها العلماء من الآيات التي أبطلت عادات خاطئة وأرست قواعد العدل والمساواة.

أحوال العرب في الحج قبل الإسلام

كان العرب قبل الإسلام يؤدون مناسك الحج بطرق مختلفة، وقد دخلت بعض العادات الجاهلية إلى هذه الشعيرة المباركة. ومن أشهر القبائل التي كانت تتعامل بطريقة مميزة في الحج قبيلة قريش ومن كان يتحالف معها، وكانوا يُعرفون باسم “الحُمْس”.

وكانت قريش ترى لنفسها مكانة خاصة بسبب سكنها في مكة وخدمتها للكعبة المشرفة، فكانت تعتقد أنها أعلى منزلة من بقية العرب، ولذلك كانت لا تقف بعرفة أثناء الحج كما يفعل سائر الناس، بل تقف في منطقة مزدلفة فقط.

أما بقية الحجاج من العرب فكانوا يقفون بعرفة ثم يفيضون منها إلى مزدلفة، وهو ما ورثوه من ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام.

سبب نزول قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس

نزلت هذه الآية الكريمة لتأمر قريشًا ومن تبعها بأن يقفوا بعرفة مثل بقية الحجاج، وألا يتميزوا عن الناس في شعائر الحج. فجاء الأمر الإلهي واضحًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي انصرفوا من عرفات كما يفعل سائر الحجاج، ولا تجعلوا لأنفسكم طقوسًا خاصة تختلف عن هدي الأنبياء.

وقد روى الصحابة والمفسرون أن قريشًا كانت تقول: نحن أهل الحرم فلا نخرج منه، لذلك كانت تتجنب الوقوف بعرفة لأنها خارج حدود الحرم، بينما كان النبي ﷺ قبل البعثة وبعدها يقف بعرفة مع الناس، اتباعًا لما بقي من دين إبراهيم عليه السلام.

فلما جاء الإسلام أبطل هذا التفاخر الجاهلي، وأمر الجميع بأداء المناسك بالطريقة الصحيحة دون تمييز بين قبيلة وأخرى.

الدروس المستفادة من الآية الكريمة
المساواة بين المسلمين

من أعظم المعاني التي تؤكدها الآية أن الإسلام دين مساواة، فلا فرق بين غني وفقير أو عربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح. فجميع المسلمين يقفون في مكان واحد ويرتدون لباسًا متشابهًا أثناء الحج، في صورة عظيمة من صور الوحدة.

إبطال التفاخر الجاهلي

كانت قريش تفتخر بمكانتها بين العرب، فجاء الإسلام ليزيل هذا الكبر ويؤكد أن التفاضل الحقيقي يكون بالطاعة والتقوى، لا بالنسب أو القبيلة أو المكانة الاجتماعية.

الالتزام بشرع الله

أوضحت الآية أن العبادات لا تؤخذ بالعادات أو الأهواء، بل بما شرعه الله تعالى. ولذلك أُمر الناس باتباع الطريقة الصحيحة في أداء مناسك الحج كما علمها الأنبياء.

أهمية الاستغفار بعد الطاعة

اختتمت الآية بالأمر بالاستغفار، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمن مهما اجتهد في العبادة فإنه يحتاج إلى الاستغفار والتوبة، لأن الإنسان قد يقع في التقصير دون أن يشعر.

الوقوف بعرفة ركن عظيم من أركان الحج

تدل الآية أيضًا على أهمية الوقوف بعرفة، وهو أعظم أركان الحج حتى قال النبي ﷺ: الحج عرفة، ففي هذا اليوم يجتمع المسلمون من مختلف أنحاء العالم في مشهد إيماني مهيب، يرفعون أيديهم بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى.

ويشعر الحاج في عرفات بمعاني التواضع والقرب من الله، حيث تختفي الفوارق بين الناس ويجتمع الجميع بقلوب خاشعة راجية رحمة الله ومغفرته.

أثر الآية في تصحيح المفاهيم

أسهمت هذه الآية في القضاء على كثير من المفاهيم الخاطئة التي كانت موجودة في الجاهلية، ورسخت قيم العدل والتواضع والطاعة، كما أكدت أن الدين لا يقبل التكبر أو التميز المصطنع بين الناس، بل يدعو إلى الوحدة والالتزام بأوامر الله تعالى.

إن سبب نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يكشف جانبا مهما من حكمة الإسلام في محاربة التعصب والكبر وإرساء مبدأ المساواة بين البشر، فقد أمر الله قريشًا بأن تؤدي مناسك الحج مثل بقية الناس، ليبقى الحج رمزًا لوحدة المسلمين وتواضعهم أمام الله تعالى، وليتعلم الناس أن الكرامة الحقيقية تكون بالتقوى والعمل الصالح لا بالمكانة أو النسب.

روابط وكلمات مفتاحية
التالي
ذات صلة
دعوة زوج صالح كشفت محاولة إفساد زوجته 
في تلك الأزمنة الغابرة التي كانت فيها الكلمة أمانةً والدعاء سلاحاً، وكان الصالحون يُدركون أن لله جنوداً...
المزيد »
الحديث المنكر..
ظل علماء الحديث على مر العصور حُرَّاساً أشداء على بوابة السنة النبوية، لا تمر عندهم رواية حتى تُوزن بميزان...
المزيد »
الأيام المعلومات والمعدودات..
لم يتحدّث الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن أيام ذي الحجة مرّةً واحدة بل مرّتين، وفي كلٍّ منهما دعوةٌ...
المزيد »
«بِغَيْرِ الْحَقِّ»..
الغاية الأولى من هذا القيد البلاغي ليست الإخبار بأن قتل الأنبياء وقع بغير حق، فهذا أمر يعرفه كل عاقل،...
المزيد »
في يوم عرفة..
عشية عرفة، ذلك الوقت الذي تتنزّل فيه الرحمات وتُفتح فيه أبواب السماء على مصاريعها، وتلك البقعة التي يجتمع...
المزيد »
نَظْمُ القرآن الكريم.. معجزة تتجدد عبر الزمان
حين وقف العرب أمام القرآن الكريم للمرة الأولى، وقفوا أمام ظاهرة لسانية لم تعرف لها الجزيرة العربية مثيلاً،...
المزيد »
أحكام الحمل والولادة.. عبادة في ظلال الأمومة
لم تعرف الشرائع قبل الإسلام ولا الأعراف الإنسانية القديمة ما عرفه الفقه الإسلامي من عناية رفيعة بحال...
المزيد »
عبد الله بن المبارك..
عبد الله بن المبارك من أعظم علماء المسلمين في عصر تابعي التابعين، وقد جمع بين العلم والعبادة والجهاد...
المزيد »
المقاصد الخمس الكبرى..
حين رسم علماء المقاصد خارطتهم الجامعة للشريعة، جاءت متمحورة حول خمس كليات كبرى هي بمثابة أعمدة الفلك...
المزيد »
دعاء الاستفتاح.. همسةٌ ضاعت في مطلع الصلاة
دعاء الاستفتاح هو ما يُقال بعد تكبيرة الإحرام وقبل البسملة والفاتحة، وهو سنة مؤكدة ثبتت بأحاديث صحيحة...
المزيد »
أورنك زيب..
كان محيي الدين محمد أورنك زيب مزيج نادر يجمع بين ثقل الملك وخشوع المصلي وصرامة الفقيه وصبر المحارب، وُلد...
المزيد »
التواضع.. خلق عظيم يرفع مكانة المسلم بين الناس
التواضع من أعظم الصفات التي دعا إليها الإسلام، وهو خلق نبيل يعكس نقاء القلب وصفاء النفس، ويجعل الإنسان...
المزيد »
الاجتهاد أساس استنباط الأحكام ومواكبة قضايا الحياة المعاصرة
الاجتهاد من أهم الخصائص التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، فهو الوسيلة التي يتمكن بها العلماء من استنباط...
المزيد »
ضرار بن الأزور.. الفارس الذي كان يقتحم الموت ضاحكًا
كان ضرار بن الأزور واحدًا من الأسماء التي صنعت من البطولة سيرةً تتجاوز حدود التاريخ، كما كان من أولئك...
المزيد »
توجيه الخطاب الديني لقضايا الأسرة
الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع كله، وإذا تفككت ضعفت الروابط...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك