«أَنْ أَرْضِعِيهِ».. الفطرة في مواجهة الخوف

في قصة موسى عليه السلام، تلك القصة التي أفاض القرآن في سردها أكثر من أي قصة نبوية أخرى، تقف الكلمة القرآنية أمام المتأمل لتكشف له عن طبقات من البلاغة والرحمة والتدبير الإلهي لا تُرى من...
«أَنْ أَرْضِعِيهِ».. الفطرة في مواجهة الخوف

«أَنْ أَرْضِعِيهِ».. الفطرة في مواجهة الخوف

من أبلغ ما يُدهش المتأمل في القرآن الكريم أن كلمةً واحدة فيه قد تحمل من المعاني والأسرار ما لا يستوعبه التأمل العجول، وما لا يبلغه الفكر إلا بعد طول وقفة وعميق تدبر. وفي قصة موسى عليه السلام، تلك القصة التي أفاض القرآن في سردها أكثر من أي قصة نبوية أخرى، تقف الكلمة القرآنية أمام المتأمل لتكشف له عن طبقات من البلاغة والرحمة والتدبير الإلهي لا تُرى من بعيد.
يقول الله تعالى: “وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.” والسؤال الذي يطرحه المتأمل بصدق: لماذا أوحى الله إلى أم موسى بأن ترضعه، وهي أمٌّ مفطورة على الرضاع كما تُفطر كل أم؟ أليس الإرضاع غريزة راسخة في كل أنثى أنجبت، لا تحتاج إلى وحي ولا إلى أمر؟
هنا تبدأ الدهشة، وهنا تبدأ الحكمة.

الرائحة والحنان.. سرّ التحريم الإلهي

حين يلتصق الرضيع بصدر أمه في لحظات الرضاع الأولى، لا يأخذ منها الحليب وحده، بل يأخذ ما هو أعمق وأبقى: يأخذ رائحتها التي تختزنها ذاكرته الأولى، ودفء جسدها الذي يعرّفه على معنى الأمان، وأنفاسها التي تُرسّخ في وجدانه الناشئ معنى القرب والانتماء. ولهذا يهدأ الطفل في حضن أمه هدوءاً لا يجده في غيره، ويعرفها بحاسة الشم قبل أن يعرفها بحاسة البصر.
وفي ضوء هذا يتكشّف سرٌّ بديع في قوله تعالى “أن أرضعيه”: فالله سبحانه أراد لموسى أن يتشبّع في ساعاته الأولى من رائحة أمه وحنانها وجسدها، حتى تنطبع في أعماقه تلك الرائحة انطباعاً لا تمحوه الأيام. ثم يأتي التدبير الإلهي في مرحلته التالية: “وحرّمنا عليه المراضع”، أي أنه حين وُضع في قصر فرعون رفض كل مرضعة أُدنيت منه، ولم يقبل ثدياً سوى ثدي التي يحمل عطرها في روحه. فكانت الغريزة المُحكمة بالوحي هي الخيط الخفي الذي قاد موسى من دار الطغيان إلى حضن الحنان، وردّه إلى أمه كما وعد الله.

أمومة تهزم الرعب

لو وقفت أمامك امرأة في أشد لحظات الرعب التي يمكن أن تمر بها أم، فرعونُ يذبح الأبناء، والخطر يطرق الباب، والقلب يتفطر، فماذا تتوقع منها؟ ستتوقع أن تتجمد الغرائز وتتعطل الفطرة وتتحكم الهواجس في كل قرار. وهنا تبرز حكمة ثانية عميقة في قوله تعالى “أن أرضعيه”: فالوحي لم يأت هنا بأمر جديد مخالف للطبيعة، بل جاء توجيهاً للفطرة كي تواصل عملها في أشد اللحظات اضطراباً.
كأن الله يقول لها بلغة الرحمة والطمأنينة: لا تدعي الخوف يُجمّد ما زرعته فيكِ الفطرة، امضي على سجيتك الأولى، أرضعيه كما تُرضع كل أم وليدها، دعي الأمومة تهزم الرعب. وكان الإرضاع بهذا المعنى ليس غذاءً للجسد فحسب، بل كان بداية الطمأنينة وتهيئة للروح قبل لحظة الإلقاء في اليم، وكأن الله أراد أن تكون يدها التي ستُلقيه في الماء يداً ارتوت بالسكينة قبل أن تمتد بالفعل.
وفي هذا درسٌ قرآني لا ينتهي صداه: أن الوحي الإلهي لا يلغي الفطرة بل يُرشدها، ولا يعطّل الغريزة بل يُسدّدها، وأن أعمق ألوان الإيمان هو ذلك الذي يجعل المؤمن يمضي على طبيعته الأولى النقية حتى في العواصف.

اليمّ أو الصدر.. والحافظ واحد

يبلغ الإعجاز البياني ذروته حين تقرأ هاتين الصورتين المتناقضتين في الآية الكريمة: صدر الأم ويم موسى، الدفء والموج، الأمان المعهود والمجهول المرعب. فأكثر مواضع الدنيا أماناً في وجدان الطفل هو صدر أمه، وأكثرها رعباً في منطق البشر هو إلقاؤه في النهر. ومع ذلك ينقل القرآن الأمان من صدر الأم إلى عين الله ورعايته، فيُسوّي بين الموضعين في الحفظ والكلاءة: سواء ضمّتْه إلى صدرها أم ألقته في اليم، فهو محفوظٌ بالعناية الإلهية نفسها.
وذلك ما يُفسّر قوله تعالى لاحقاً: “وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي”، فكأن كل ما مرّ به موسى من رضاع وتابوت وأمواج وقصر فرعون لم يكن إلا في دائرة عين الله، تلك العناية التي لا يغيب عنها صغيرٌ ولا كبير. والآية في مجملها ليست حديثاً عن الرضاع وحده، بل هي درسٌ في اليقين يُعلّم المؤمن أن اليمّ قد يكون أرحم من القصور حين يكون الله هو الحافظ، وأن الخوف لا يستحق أن يُطفئ اليقين ما دام الوعد الإلهي قائماً: “إنا رادّوه إليكِ وجاعلوه من المرسلين.”

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك