حركة الحرف الثالث

ركيزة قاعدة الابتداء بهمزة الوصل

ثمة لحظة دقيقة يواجهها كل قارئ للقرآن الكريم حين يبتدئ تلاوته من منتصف الآية أو يستأنف الكلام بعد وقف، وهي لحظة مواجهة همزة الوصل....
حركة الحرف الثالث

حركة الحرف الثالث

ركيزة قاعدة الابتداء بهمزة الوصل

ثمة لحظة دقيقة يواجهها كل قارئ للقرآن الكريم حين يبتدئ تلاوته من منتصف الآية أو يستأنف الكلام بعد وقف، وهي لحظة مواجهة همزة الوصل. فهذه الهمزة التي تسقط في درج الكلام وتختفي في وصله تعود وتظهر حين يبدأ القارئ كلامه من أولها، فيجد نفسه أمام سؤال صوتي دقيق: بأي حركة أبدأ؟ أبالضم أم بالكسر؟ والجواب عن هذا السؤال ليس ترفاً علمياً بل هو صميم الأداء القرآني الصحيح الذي يُميز المتقن من المتساهل، ويُفرق بين من يتلو بعلم ومن يتلو بمجرد الحفظ دون فقه لما يُؤدي.

همزة الوصل وسبب وجودها

قبل الخوض في القاعدة لا بد من وقفة مع هذه الهمزة في أصل وجودها لأن فهم السبب يُيسّر استيعاب الحكم. العرب في لغتهم لا يبدؤون الكلام بساكن، لأن النطق بحرف ساكن في أول الكلمة متعذر صوتياً، فالصوت يحتاج إلى حركة تُطلقه وتُمكّنه من الانطلاق. وحين وجدوا كلمات أولها ساكن كالفعل “اكتب” الذي أصله كاف ساكنة في الابتداء، احتاجوا إلى وسيلة تُمكّن الناطق من البدء، فجاءت همزة الوصل كحل صوتي بارع تُحمل عليها حركة تُفتح بها الكلمة ثم تسقط هذه الهمزة في الوصل لأن الكلمة التي قبلها قد أدّت وظيفتها وأوصلت الصوت. ومن هنا جاء اسمها همزة الوصل أي الهمزة التي تُوصل الكلام لا الهمزة الأصلية التي تثبت في كل أحوالها.
وهذه الهمزة تدخل على أنواع محددة من الكلمات في العربية، منها الأسماء كاسم والابن والامرأة، ومنها الأفعال التي هي موضوع حديثنا، ومنها أداة التعريف “ال”. وتختلف حركة الابتداء بها بحسب نوع الكلمة التي تدخل عليها، ففي الأسماء السماعية لها أحكام خاصة، وفي الأفعال لها قاعدة محكمة ضبطها علماء القراءات والنحو وصاغها ابن الجزري رحمه الله صياغة شعرية جامعة في منظومته الشهيرة.

القاعدة وأساسها.. الحرف الثالث هو المفتاح

تقوم قاعدة الابتداء بهمزة الوصل في الأفعال على ركيزة واحدة محددة هي حركة الحرف الثالث من الفعل، وهذا الاختيار للحرف الثالث تحديداً ليس اعتباطاً بل له منطق صرفي راسخ. فالفعل المبدوء بهمزة الوصل إما أن يكون ماضياً خماسياً كانطلق وانكسر أو سداسياً كاستخرج واستغفر، وفي كلا النوعين يقع الحرف الثالث في موضع استراتيجي يعكس بنية الفعل الداخلية ووزنه الصرفي. فحين تُحدد حركة الحرف الثالث تكون قد مسست جوهر الفعل وقرأت حمضه النووي الصوتي الذي يُملي عليك كيف تبدأ.
وجوهر القاعدة أنك إذا بدأت بفعل مبدوء بهمزة الوصل فانظر إلى حرفه الثالث؛ فإن كان مضموماً فابدأ بضم همزة الوصل، وإن كان مفتوحاً أو مكسوراً فابدأ بكسرها. وهذه القاعدة من بساطتها ووضوحها تجعل الضابط الصوتي نابعاً من داخل الكلمة لا مفروضاً عليها من خارج، وكأن الكلمة نفسها تُخبرك كيف تبدأها حين تتأمل تركيبها.
فإذا أردت أن تبدأ بكلمة “اكتُب” نظرت إلى حرفها الثالث وهو التاء فوجدته مضموماً فقلت: أُكتُب بضم الهمزة. وإذا أردت أن تبدأ بكلمة “انطَلق” نظرت إلى الطاء وهو الحرف الثالث فوجدته مفتوحاً فقلت: اِنطلق بكسر الهمزة. وإذا أردت أن تبدأ بكلمة “استغفِر” نظرت إلى السين وهي الحرف الثالث فوجدتها مكسورة فقلت: اِستغفِر بكسر الهمزة. وهكذا تسري القاعدة على كل فعل من هذا الباب سريان الماء في قناة منضبطة لا يتجاوزها.

ابن الجزري وتأصيل القاعدة

وحين جاء الإمام شمس الدين محمد بن محمد الجزري رحمه الله ليُلخص هذا العلم في منظومته “الجزرية” أو “المقدمة فيما يجب على قارئ القرآن أن يعلمه”، صاغ هذه القاعدة، فقال:
وَابْدَأْ بِهَمْزِ الْوَصْلِ مِنْ فِعْلٍ بِضَمْ
إِنْ كَانَ ثَالِثٌ مِنَ الْفِعْلِ يُضَمْ
وَاكْسِرْهُ حَالَ الْكَسْرِ وَالْفَتْحِ مَعَا
كَاخْشَ وَامْشِ وَانْطَلِقْ لِمَنِ اتَّبَعَا
فابن الجزري في البيت الأول يُقرر القاعدة في شقها الأول: ابدأ بهمز الوصل من الفعل بالضم إن كان الحرف الثالث من الفعل مضموماً، والأمثلة على ذلك في القرآن الكريم كثيرة، منها قوله تعالى “ادعوا ربكم” إذا ابتدأت بها فتقول أُدعوا بضم الهمزة لأن الحرف الثالث وهو الواو مضموم، وقوله تعالى “انظروا” تبدأها بأُنظروا لأن الظاء مضمومة. وهذا الضم في همزة الوصل يجيء مجانساً للضم الذي في الحرف الثالث فكأن الكلمة تنسجم من أولها إلى ثالث حرف فيها انسجاماً صوتياً يُريح الأذن ويُيسر النطق.
أما البيت الثاني فيُكمل القاعدة في شقيها الثاني والثالث، إذ يُقرر أن الكسر هو الأصل الذي يُلجأ إليه في حالتي الفتح والكسر معاً، ثم يضرب أمثلة تُجسّد القاعدة في صورة حية: “اخشَ” من الخشية وحرفها الثالث مفتوح فتبدأ بالكسر فتقول اِخشَ، و”امشِ” من المشي وحرفها الثالث مكسور فتبدأ بالكسر أيضاً فتقول اِمشِ، و”انطلِق” وحرفها الثالث مفتوح فتبدأ بالكسر فتقول اِنطلق. واختيار ابن الجزري لهذه الأمثلة الثلاثة لم يكن من قبيل الاستشهاد الأول المتاح بل كان من قبيل الاستشهاد المُحكم الذي يُمثل فئات المسألة تمثيلاً جامعاً: مثال للمفتوح الثلاثي في الأمر المجرد، ومثال للمكسور، ومثال للمزيد بالنون.
وقد آثر ابن الجزري أن يجعل الكسر هو الأصل الذي يغطي حالتين لا حالة واحدة، وفي هذا حكمة تيسيرية واضحة؛ فبدل أن يجعل للفتح حكماً مستقلاً وللكسر حكماً مستقلاً جمعهما في حكم واحد هو الكسر، فأراح الطالب من التردد بين حكمين متقاربين وأوجز القاعدة إيجازاً يُعين الحافظ على استحضارها في لحظة الأداء.

التطبيق القرآني وأثره في صحة التلاوة

ولهذه القاعدة في التطبيق القرآني الميداني أثر بالغ لا ينتبه إليه كثير من القراء المبتدئين. فالقرآن الكريم يحفل بأفعال مبدوءة بهمزة الوصل تُبدأ في حالات كثيرة عند الوقف على ما قبلها أو عند الابتداء من أثناء الآية، وفي كل هذه المواضع يكون ضبط حركة الابتداء واجباً على القارئ المتقن لا مجرد فضيلة يُحمد عليها.
خذ مثلاً قوله تعالى في سورة طه: “اذهب إلى فرعون إنه طغى”، فإذا ابتدأت من كلمة “اذهب” نظرت إلى حرفها الثالث وهو الهاء فوجدته مكسوراً فقلت اِذهب بكسر الهمزة. وخذ قوله تعالى: “انظر كيف ضربوا لك الأمثال” فإذا ابتدأت من “انظر” نظرت إلى الظاء وهي مضمومة فقلت أُنظر بضم الهمزة. وخذ قوله تعالى: “استغفر لهم أو لا تستغفر لهم” فإذا ابتدأت من “استغفر” نظرت إلى السين فوجدتها مكسورة فقلت اِستغفر بكسر الهمزة.
وهذا التمييز الصوتي الدقيق الذي ربما بدا للوهلة الأولى تفصيلاً شكلياً هو في حقيقته جزء من التزام أعمق بالأداء القرآني الصحيح الموروث جيلاً عن جيل بالتلقي والمشافهة، فعلماء القراءات لم يضعوا هذه القواعد استنباطاً من عقولهم بل استخلصوها من مشافهة شيوخهم الذين تلقّوا عن شيوخهم في سلسلة متصلة تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فالقاعدة إذن ليست اجتهاداً نحوياً بل هي وصف علمي دقيق لما كان الأداء عليه في الأصل، وصاغه العلماء صياغة مُقعّدة لتيسير تعليمه وضمان استمراره عبر الأجيال.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
أخطاء التلاوة الشائعة
ليس مبالغةً القول إن كثيراً ممن يتلون القرآن الكريم اليوم يقعون في أخطاء صوتية متكررة لا يدركونها، لا...
المزيد »
دور الأدب في نشر القيم الدينية وبناء الوعي المجتمعي
الأدب من أبرز وسائل التعبير الإنساني، فهو لا يقتصر على كونه فنا يهدف إلى الإمتاع وإثارة المشاعر، بل يؤدي...
المزيد »
«إن الذي يمد رجله لا يمد يده»..
في القرن التاسع عشر، قاد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا، حملة عسكرية على بلاد الشام، وتمكن...
المزيد »
الرحمة والتسامح
تُعد الرحمة والتسامح من أسمى القيم الإنسانية التي قامت عليها الحضارات، وارتقت بها الأمم، واستقامت بها...
المزيد »
الانقياد..
كلمة لا إله إلا الله عقد متكامل الأركان، شرطه الأول النطق والعلم واليقين، وشرطه الأعمق والأصعب ذلك الانقياد...
المزيد »
الملائكة في بدر..
تتردد بين الحين والآخر شبهات حول ما ورد من مشاركة الملائكة في غزوة بدر في أروقة الجدل الفكري والديني،...
المزيد »
السنة النبوية..
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي البيان العملي والتطبيقي لما جاء في...
المزيد »
الحكمة والموعظة الحسنة
تقوم الدعوة الإسلامية على أسس راسخة تجمع بين سلامة المنهج، وحسن الأسلوب، ووضوح المقصد، وقد جعل الإسلام...
المزيد »
الخطاب الديني المتوازن
الخطاب الديني من أكثر وسائل التأثير حضورا في حياة المجتمعات، لما يستند إليه من مرجعية شرعية وثقة جماهيرية،...
المزيد »
الوجودية.. محاولة الإجابة عن أسئلة الحرية والغاية والمسؤولية
الوجودية من أبرز التيارات الفكرية والفلسفية التي ظهرت في العصر الحديث، وقد ركزت على الإنسان بوصفه محورا...
المزيد »
ابن حنبل: الصلاة لا تسقط بسبب المرض
الصلاة من أعظم العبادات في الإسلام، وقد أوجبها الله تعالى على المسلمين في جميع الأحوال، مع مراعاة قدرة...
المزيد »
«الكاش باك» في ميزان الفقه الإسلامي..
برامج الاسترداد النقدي أو ما يُعرف بـ«الكاش باك» من الأساليب الحديثة التي انتشرت في المعاملات التجارية...
المزيد »
«الحقيقة تُترك بدلالة العادة»..
قاعدة "الحقيقة تُترك بدلالة العادة" من القواعد الفقهية التي تُبرز أثر العرف والعادة في فهم الألفاظ وتفسير...
المزيد »
ابنة الجون..
تُعد قصة أميمة بنت النعمان بن شراحيل، المعروفة بـ"ابنة الجون"، من المواقف التي أظهرت جانبا عظيما من أخلاق...
المزيد »
قراءة البسملة في الصلاة
البسملة من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة، لما لها من ارتباط بقراءة القرآن الكريم في الصلاة،...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك