أبشِر.. كلمةٌ تُحيي القلوب وسنّةٌ أضاعها الزمن

بعد أن باتت الكلمةُ الجافة سمةً للحزم، والعبوسُ علامةً للجدّية، والتشديدُ ضرباً من الورع؛ يبدو النبيُّ الكريم ﷺ منذ أربعة عشر قرناً وكأنه يخاطب من يعيشون في هذا الزمنَ بالذات...
أبشِر.. كلمةٌ تُحيي القلوب وسنّةٌ أضاعها الزمن

أبشِر.. كلمةٌ تُحيي القلوب وسنّةٌ أضاعها الزمن

بعد أن باتت الكلمةُ الجافة سمةً للحزم، والعبوسُ علامةً للجدّية، والتشديدُ ضرباً من الورع؛ يبدو النبيُّ الكريم ﷺ منذ أربعة عشر قرناً وكأنه يخاطب من يعيشون في هذا الزمنَ بالذات، حين علّم أصحابَه أن يبشّروا ولا ينفّروا، كان ﷺ يحمل في لسانه بشارةً لكلّ من لقيه، وفي وجهه ابتسامةٌ يصفها الصحابة بأنها كانت أوّلَ ما يستقبلهم به، حتى قال أحدهم: ما رأيتُه إلّا تبسّم في وجهي.

البُشرى في الميزان النبوي

لم تكن البشارةُ عند النبي ﷺ ترفاً عاطفياً أو مجاملةً فارغة، بل كانت منهجاً تربوياً راسخاً ومقصداً شرعياً لحفظ القلوب من الوحشة والنفرة. وقد أدرك ﷺ ما لا يدركه كثيرٌ من الدعاة والمربّين اليوم: أن النفسَ البشرية لا تُقبل إلّا مفتوحةً، ولا تُقبَل إلّا من يُكرمها. لذا كان يتفقّد أصحابه بالاسم، ويُبشّر المحزونَ بالفرج، ويُكرم المذنبَ بستر الله، ويُذكّر التائبَ بسعة رحمة ربّه. وحين قال صفوان بن عسّال المرادي إنه أتى النبيَّ ﷺ فرأى في وجهه نوراً، ما كان ذلك النور إلّا نوراً حمله إليه لسانُ البشارة وصدرُ الرحمة.
وتأمّل كيف أنه ﷺ حين أرسل معاذاً وأبا موسى إلى اليمن معلّمَين ودعاةً، كان أوّلَ ما أوصاهما به: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا. فجعل البشارةَ والتيسيرَ صفتَين متلازمتَين، كأنهما وجهان لعملةٍ واحدة، عملتُها الرحمةُ وسكّتها فهمُ النفس البشرية.

أين ذهبت هذه السنّة؟

إذا أمعنتَ النظرَ في كثيرٍ من الخطاب الديني المعاصر، وجدتَ أن كفّة التخويف تطغى على كفّة التبشير طغياناً ظاهراً. فالمنابرُ تعجّ بالوعيد ومشاهد العذاب والزواجر، والنفسُ تخرج منها وقد ثقلت بالهموم والرهبة، دون أن تُزوَّد بما يُلطّف تلك الرهبةَ من رجاءٍ ويقين. وكأنّ المُبشِّرَ يُتَّهم باللين، والمُيسِّرَ بالتساهل، والمُبتسمَ بغياب الغيرة. غاب عن الأذهان أن النبيَّ ﷺ كان أشدَّ الناس خشيةً لله، وأكثرَهم بكاءً في الليل، وأوّلَهم ابتساماً في وجه المسلم نهاراً. لا تعارضَ بين الخشية والبشارة، بين المهابة والدفء؛ وقد جمعهما ﷺ في شخصٍ واحد لم يرَ البشرُ مثله.
والأمر لا يقتصر على المنابر وحدها؛ ففي البيوت والأسر حيث يربّي الآباءُ أبناءهم، وفي المدارس حيث يُعلّم المعلّمون تلاميذهم، وفي مواقع العمل حيث يسوس القادةُ فِرَقهم؛ في كلّ هذه المواضع ضاعت البشارةُ وحلّ محلّها النقدُ المستمرّ، والتوبيخُ الدائم، والتذكيرُ بالعيوب دون التنويهِ بالحسنات، نسي الناسُ أن كلمةَ “أبشر” لا تكلّف شيئاً وتبني كلّ شيء.

أثر البشارة في صناعة النفوس

ما من شيءٍ يُطلق طاقةَ الإنسان ويبعث فيه همّةَ العمل كالشعور بأنه موضعُ ثقة وتقدير، وهذا بالضبط ما كانت تصنعه البشارةُ النبويةُ في نفوس الصحابة. حين قال ﷺ لعكّاشة بن محصن: “أنت منهم”؛ يعني السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لم يكن ذلك مديحاً عاطفياً، بل كان رسالةَ ثقةٍ زرعها في روحه وجعلته يحمل ذلك اليقين طوال حياته. وحين أخبر ﷺ بلالَ بن رباح أنه سمع خشخشةَ نعليه في الجنة، لم يشعر بلالٌ بعدها بفقر ولا صغار، بل مشى في الأرض وقد امتلأت روحُه بما لا تملكه الكنوز.
وهذا ما تُثبته الدراساتُ النفسية الحديثة اليوم تحت مسمّيات شتّى؛ من التعزيز الإيجابي، وتحفيز الدافعية الداخلية، وبناء الهويّة الإيجابية، غير أن القرآنَ الكريم عبّر عن ذلك في آيةٍ مكثّفة إذ قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ؛ أمرٌ مطلقٌ غير مقيّد بزمانٍ ولا بحال.

إحياء السنّة في يومياتنا

لا يحتاج إحياءُ هذه السنّة إلى تكاليفَ باهظة ولا إلى مناصب رفيعة. يحتاج إلى شيءٍ واحد فحسب: أن تُقرّر أن تُغيّر لغتك مع من حولك. ابدأ بزوجك أو زوجتك، فأكثرُ الناس جفاءً مع أقرب الناس إليهم. انظر ماذا تراكم في أبنائك من أخطاء، ولاحظ مقابلها ما لم تذكره من حسنات، استبدل جملةَ “ألم أقل لك” بجملة “أنت قادرٌ على ما هو أفضل”، حين يُخطئ موظّفٌ أو زميل، تذكّر أن النبيَّ ﷺ ما عنّف أحداً لخطأٍ بشريٍّ اجتهد فيه، حين تدعو إلى الله، ابدأ بما يشتاق إليه القلبُ قبل أن تُحذّر مما يخشاه.
إن البشارةَ ليست وهماً ولا مداهنة، إنّها نظرةٌ نبويةٌ للإنسان ترى فيه الطاقةَ الكامنة قبل أن ترى الخللَ الظاهر، وترى فيه ما يمكن أن يكون قبل أن تُلحّ على ما هو عليه الآن، كان النبيُّ ﷺ يرى في المؤمن ما لا يرى المؤمنُ في نفسه، فيُبشّره به ليصير إليه.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك